
علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي تمنع فيه الدول تدخين السجائر في الأماكن العامة والمغلقة وتضع قيوداً وعقوبات مشددة على المخالفين للأنظمة التي تضعها أجهزة البلدية، نجد لدينا أنه يسمح بتدخين الشيشة في الأماكن العامة والمطاعم والمقاهي بدون أي ضوابط تنظم تعاطيها وتراقب المنكبين نهماً عليها، ضاربين بحقيقة خطورتها على الفرد والمجتمع من ناحية عامة عرض الحائط، وهو أمر يدعو للاستغراب بطبيعة الحال إزاء أمر لا ينسجم بتاتاً مع متطلبات الصحة واجبة الاتباع من الجميع دون استثناء، وهو واقع يتعارض مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة.
في عالم اليوم ليس هناك عاقل واحد هداه الله النجدين يجيز تعاطيها تحت أي شعار كان، لا في الأماكن العامة ولا في الأماكن الخاصة والمغلقة، بل إن العكس هو الصحيح والمتبع الآن، إذ هناك عقوبات صارمة وقوانين رادعة وُضعت لكل من يتجاوز هذه الخطوط الحمراء، ومن يجيز تجاوزها ويبيح سراً أو علانية تعاطيها وتناولها فهو بالقطع لا تهمه لا صحة الإنسان الذي كرَّمه الله في محكم كتابه، ولا تهمه قدسية إصحاح البيئة من ناحية عامة، وإلا كيف لنا أن نبرر استمرارها إلى اليوم أمام أعيننا وبهذا الزخم وفي ظل ما نسمعه عن كوارثها المحققة والموثقة.
لسنا هنا بصدد الحديث بالتفصيل الدقيق عن الأضرار الصحية الناجمة عن تعاطيها إذ يكفي أن نشير إلى أن تدخين رأس معسل أو تفاح!! زعماً، يعادل تدخين 100 سيجارة بحسب منطوق الدراسات الصحية التي أجريت في هذا الصدد، إضافة للاستنشاق المؤكد لغاز أول أكسيد الكربون القاتل، وهناك العديد والكثير من الأضرار التي لا يسعنا المجال لإحصائها.
إن مقاهي الشيشة اليوم تنتشر كالفطر في محافظات السلطنة بخاصة مسقط التي تنازلت عن هالات الجمال الذي سجلته في التسعينيات كأفضل المدن العربية ونموذج يُحتذى به في النظافة والالتزام بالاشتراطات الصحية الصارمة والحفاظ بذات الصرامة على البيئة، واليوم وقعت مسقط الجميلة للأسف صريعة لضغوطات أرباب الشيشة وما أحدثوه وخلّفوه من نتوءات في قسمات وجهها الصبوح ومن تشوهات في أحيائها الجميلة ومن كدمات في رمال شواطئها الأجمل.
اليوم يختلط الحابل بالنابل في مقاهي الشيشة وبدون أي اعتبار للجوانب الصحية، فتقديم أطباق الأطعمة وزجاجات الشيشة من قِبل نادل واحد في وقائع تتقزز لها الأنفس التقية صحياً، وفي ذات الساحة تتداخل الأدخنة والرماد المنبعثة ذراته من مراجل الشيشة وإلى مطابخ إعداد الوجبات بدون الالتزام بالحدود الدنيا لأبجديات الصحة والسلامة.
الأدهى من كل ذلك أن بعض المقاهي في محافظة مسقط محكمة الإغلاق، فعندما تدلف إليها فالرؤية تكاد تكون معدومة بفعل العتمة التي تخلّفها الأدخنة الحبلى بأول أكسيد الكربون، التي تؤثر حتى على غير المدخنين كما هو معروف وثابت علمياً في الظاهرة المسماة بالتدخين السلبي. هنا فإن الاندهاش ينبثق ساطعاً ليزيح عتمة الدخان والرماد وينصب في كيف يتم الترخيص لمثل هذه المقاهي أو قُل لمثل هذه المحارق لتفتك بزبائنها بغير رحمة.
نجد اليوم دولاً مثل سنغافورة وتايلاند وبعض دول الخليج منعت تدخين الشيشة في المقاهي وعدم السماح أصلاً بتقديمها، وهناك الكثير من التجارب للدول الشقيقة والصديقة يمكن استلهامها في إطار السعي المحمود لحماية الفرد والمجتمع من هذه الكارثة. كما أن هناك ضعفاً واضحاً بشأن التنسيق بين الجهات ذات الصلة في هذا الشأن فهو واقعياً جهد مشترك بين وزارة الصحة والبلديات وغيرها من الجهات كمجلس الشورى الذي عليه أن يضغط في اتجاه منع تقديم الشيشة في الأماكن العامة على الأقل حماية لصحة الفرد والبيئة والمجتمع.
بالطبع نحن لا نطالب بمنع تدخين الشيشة بشكل فردي، فهذا قرار كل فرد حيال نفسه وهو الأجدر بحمايتها وصونها بغير وصاية من أحد، لكن ما نطالب به هو منعها في الأماكن العامة لما تحدثه من أضرار أشرنا إليها تفصيلاً.
نأمل من الجهات المختصة كالصحة وأجهزة البلديات أن تعمل لما فيه حماية الفرد والمجتمع من مخاطر الشيشة وحماية البيئة من أضرارها، وهكذا قرار هو بيد أصحاب القرار الذين نساعدهم نحن بالتنبيه بين فترة وأخرى وفي ظل ما تقوم به الجهات النظيرة في دول العالم من جهود لمنعها درءاً للأضرار الخطيرة التي تخلِّفها.