
أندرو شنج
في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي اختتم أعماله مؤخرا في دافوس بسويسرا، شن الرئيس الصيني شي جين بينج دفاعا قويا عن العولمة، مؤكدا على سياسة «الباب المفتوح» التي تنتهجها بلاده ومتعهدا بعدم السعي أبدا إلى شن حرب تجارية أو الاستفادة من خفض قيمة عملتها. وبعد فترة وجيزة، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب تنصيبه بالعكس تماما: فاستخدم كلمة «الحماية» سبع مرات، وأكَّد أن مبدأ «أمريكا أولا» يعني فرض تدابير الحماية. اتهم ترامب الصين بتعمد خفض قيمة الرنمينبي، من أجل تعزيز القدرة التنافسية التي تتمتع بها صادراتها. ولكن الحقيقة هي العكس تماما: ففي مواجهة الضغوط القوية التي تدفع قيمة الرنمينبي إلى الانخفاض، سعت الصين إلى الإبقاء على سعر صرف الرنمينبي في مقابل الدولار مستقرا نسبيا، وهو المحاولة التي ساهمت في تراجع احتياطيات العملة الأجنبية الرسمية بأكثر من تريليون دولار أمريكي.
الواقع أن رغبة الصين في منع قيمة الرنمينبي من الانخفاض ليست أقل من رغبة ترامب في نفس الأمر. ولكن لا تستطيع أي دولة التحكم بشكل كامل في سعر الصرف. فمن التطورات التكنولوجية إلى الخصومات الجيوسياسية إلى التحولات السياسية بين الشركاء التجاريين الرئيسيين، كانت أسباب انخفاض قيمة الرنمينبي -وبالتالي العوامل المؤثرة على سياسة سعر الصرف في الصين- متنوعة ومعقدة.
يتلخص أحد العوامل المؤثرة على أسعار الصرف في سلسلة الإمداد العالمية السريعة التغير. وقد ساعدت أنماط الاستهلاك والقواعد التنظيمية والتكنولوجيات الرقمية المتطورة في تشجيع زيادة الإنتاج المحلي مؤخرا. وفي الولايات المتحدة، تلقى التصنيع دفعة من تكنولوجيات مثل الروبوتات والطباعة الثلاثية الأبعاد. وكان في هذا دعم للتعافي الاقتصادي، من دون زيادة واردات الولايات المتحدة من آسيا.
من ناحية أخرى، بدأت الصين تتحول بالفعل من نموذج النمو القائم على التصدير إلى نموذج قائم على زيادة الاستهلاك المحلي، وهذا يعني أن الرنمينبي القوي من شأنه أن يخدم اقتصادها على نحو أفضل. وقد انخفض فائض الحساب الجاري لدى الصين إلى 2.1 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تضيق الفجوة مع استمرار الصادرات في الانخفاض.
بيد أن الحساب الجاري ليس العامل الوحيد الفاعل هنا. فنظرا للدور الذي تلعبه تدفقات رأس المال في تحديد أسعار الصرف، يسوق الخبير الاقتصادي كلاوديو بوريو من بنك التسويات الدولية الحجج لصالح النظر إلى الحساب المالي أيضا. وهنا أيضا لا يخدم الرنمينبي المنخفض القيمة مصلحة الصين.
تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن صافي موقف الاستثمار في الولايات المتحدة من المحتمل أن يتدهور بحلول العام 2021 -مع ارتفاع صافي الخصوم من 41 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى 63 %- في حين يظل صافي موقف الاستثمار في الصين ثابتا. وهذا يعني أن دول الفائض الأخرى مثل ألمانيا واليابان من المرجح أن تمول موقف العجز المتنامي في الولايات المتحدة، من حساباتها الجارية والمالية.
ولكن لعل التحدي الأكبر الذي يواجه الصين اليوم يكمن في حسابها الرأسمالي. فمنذ بدأ الرنمينبي اتجاهه الهابط في العام 2015، ازدادت قوة الحافز لتقليص الديون الخارجية وزيادة الأصول في الخارج.
زميل متميز لدى معهد آسيا العالمي في جامعة هونج كونج