خافيير سولانا
إن لمن سوء الطالع أنه قد تم التوصل لعدد قليل جداً من الاتفاقيات في السنوات الأخيرة وخلال فترة طغت فيها المنافسة بين القوى العظمى بشكل عام بدلاً من التعاون فإن هناك استثناءين مهمين وهما الاتفاقية النووية مع إيران واتفاقية باريس للمناخ – وهما يعطيان الأمل بأنه ما تزال هناك إمكانية لاستجابة رسمية ومتعددة الأطراف من أجل التعامل مع التحديات العالمية.
لكن دونالد ترامب يهدد حاليا بالتنصل من كلتا الاتفاقيتين وانتخابه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية قد أظهر هشاشتهما ولو انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من أي من هاتين الصفقتين أو فشلت في التقيد بهما فإنها سوف توجه ضربة قاصمة لنظام الحكم العالمي الذي يعتمد على الاتفاقيات متعددة الأطراف من أجل حل المشاكل العالمية.
لو أردنا أن نعرف ما الذي يوجد على المحك، يتوجب علينا النظر لخطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران من جهة والأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. إن الذكرى السنوية الأولى لخطة العمل الشاملة المشتركة تصادفت مع حفل تنصيب ترامب وعليه فإن من المفيد أن نتذكر كيف تم التوصل إليها وماذا سيحصل لو فشلت.
لقد أجرى الأوروبيون أول اتصال مع إيران فيما يتعلق بهذه القضية سنة 2003 وذلك عندما تفاوضوا مع أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني آنذاك حسن روحاني وتوصل كلا الطرفان لاتفاقية سنة 2004 ولكنها لم تستمر طويلا وفي سنة 2005 شكل انتخاب محمد أحمدي نجاد كرئيس لإيران نقطة تحول وبينما استمرت المفاوضات الرسمية لم يتم إحراز أي تقدم يذكر وفي الوقت نفسه كان البرنامج النووي الإيراني يتقدم بسرعة على الرغم من معاناة الإيرانيين بسبب العقوبات الاقتصادية الصارمة.
تمكن روحاني من الفوز بالانتخابات الرئاسية سنة 2013 علما أنه عندما تفاوض مع الدبلوماسيين الأوروبيين سنة 2003 كانت إيران تمتلك برنامجاً نووياً متواضعاً وكانت تواجه صعوبات كبيرة في تخصيب اليورانيوم وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ تمكنت إيران من تركيب الآلاف من أجهزة الطرد المركزي ولحسن الحظ تكللت الجهود الدبلوماسية المضنية خلال العامين التاليين لانتخاب روحاني بالتوصل لخطة العمل الشاملة المشتركة.
بالطبع تعالت الأصوات في الولايات المتحدة الأمريكية التي لم ترحب بالاتفاقية أو بإمكانية التفاوض مع إيران على الإطلاق كما أعربت بلدان أخرى في الشرق الأوسط عن خشيتها بأن الاتفاقية سوف تغير من توازن القوى الإقليمي وتضر بمصالحها.
فهل أوفت إيران بالتزاماتها خلال السنة التي تلت تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة ؟ تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران قد أوفت بالفعل بالتزاماتها حيث سمحت إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على جميع المواقع التي طلبت الوكالة رؤيتها- بما في ذلك تلك المواقع التي تم منعها من زيارتها قبل الاتفاقية- كما أعطت المفتشين الإذن بتفقد انظمتها الإلكترونية وسلسلة التخصيب.
تصر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه لا يوجد بلد تمت مراقبته بشكل لصيق مثل إيران وكما أشارت مجموعة الأزمات الدولية فإن "ترامب هو أول رئيس أمريكي خلال أكثر من عقدين من الزمان يتولى مهام منصبه وهو ليس بحاجة للقلق من قيام إيران بتخطي عتبة التسلح النووي بدون أن يتم كشفها".
في واقع الأمر كان الكثير منا يأمل أن تعمل الاتفاقية على تحسين علاقات إيران مع جاراتها ومع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل ملحوظ ولكن ذلك لم يحدث. لقد خلقت الاتفاقية نافذة دبلوماسية من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة ولكن تمت إضاعة تلك الفرصة فالحروب في سوريا واليمن استمرت ومن غير المرجح أن يحدث أي تقارب سعودي إيراني في أي وقت قريب كما من الواضح أن روسيا تفرض نفسها في المنطقة.
لكن اللوم لا يقع على عاتق خطة العمل الشاملة المشتركة والتي تم التفاوض بشأنها كاتفاقية عدم انتشار على وجه التحديد حيث كان إحراز أي تقدم فيما يتعلق بالدبلوماسية الإقليمية في ذلك الوقت مستحيلا ولكن نظرا لفترة الغموض القادمة تحت حكم ترامب فإن على أطراف التفاوض الأوروبية تحمل مسؤولياتها في المحافظة على خطة العمل المشتركة الشاملة كما يتوجب عليها بشكل عاجل اقتراح مبادرة لزيادة الاستقرار في المنطقة.
لقد دعت روسيا وتركيا لعقد اجتماع في كازاخستان هذا الشهر لمجموعات المعارضة السورية والحكومة السورية وذلك من أجل البدء بمحادثات سلام وهذه الجهود يجب توسيعها لتشمل أطرافا أخرى واستخدامها كخطوة أولى من أجل بناء الثقة على المستوى الإقليمي. إن جميع الجهات ذات العلاقة ستستفيد من تركيز جهودها على صنع السلام عوضا عن انتقاد الاتفاق مع إيران.
إن من المخيف أن نتصور الوضع الحالي بدون خطة العمل الشاملة المشتركة. إن السعودية التي تعاني من المشاكل ترغب في إنهاء تدخلها العسكري في اليمن ولكن هذا لن يكون سهلا. أما إيران فلقد أطلقت الحملة الانتخابية الرئاسية بينما تفيق من صدمة وفاة أكبر هاشمي رافسنجاني وهو رئيس سابق وأحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية. إن تركيا تسعى لأن تكون محصلة النزاع السوري تتوافق مع سياستها تجاه الأكراد. أما روسيا فتحتاج لسحب قواتها من سوريا وذلك نظراً لأن ذلك التدخل يستنزف اقتصادها والاتحاد الأوروبي بحاجة لحل أزمة اللاجئين في سياق الاستقرار الإقليمي.
يجب أن يفكر ترامب بجدية بمصالح أمريكا ومصالح المنطقة ولو فكر بذلك فعلا سوف يدرك أن البديل عن المساهمة في الاستقرار الإقليمي هو المخاطرة بكابوس أكبر.
ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى السابق لشؤون السياسة الخارجية والأمن، والأمين العام الأسبق لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ورئيس المركز الاقتصادي والجيوسياسي العالمي التابع لكلية ايساد، وكبير زملاء معهد بروكينجز.