
فهمي هويدي
الأساطير الرائجة في فضائنا عديدة، لكنني أرشح منها مصطلح «هدم الدولة» ليكون كلمة العام 2016 في مصر.
(1)
يوم الإثنين 19 ديسمبر جرت مناقشة في مجلس النواب حول انتقاد الأستاذ إبراهيم عيسى في برنامجه التليفزيوني لأدائه.
وخلال المناقشة قال د.علي عبد العال رئيس المجلس إن الإعلام يحاول إضعاف مؤسسات النظام وهدم الدولة المصرية. لم أستغرب التعليق لأنني لاحظت أن مصطلح هدم الدولة تردد في تفسير الهجوم الإرهابي الذي استهدف الكنيسة البطرسية قبل أيام.
كما أن بعض الإعلاميين ذوي الصلة بالمؤسسة الأمنية دأبوا على الدفاع عن مشروع قانون الجمعيات المريب الذي أقره البرلمان بدعوى أنه قانون «مفصلي» يقطع الطريق على محاولات «هدم الدولة». كذلك فإن المصطلح ذاته استخدم في إدانة واستهجان الفرقعة التي ترددت في الفضاء المصري داعية إلى مظاهرات 11/11، حيث اعتبرت آنذاك ضمن المساعي الخبيثة لهدم الدولة.
ولست أنسى أن أحد الإعلاميين التليفزيونيين استضاف ذات مرة بعض المتحدثين في حلقة حول العنف، وقدم أحد المشاركين باعتباره العقيد فلان الفلاني الباحث في مخطط هدم الدولة المصرية. معلوم أن الرئيس عبدالفتاح السيسي هو من أطلق المصطلح وردده أكثر من مرة في خطبه وأحاديثه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كان آخرها حديثه في لقائه مع الشباب في العاشر من شهر ديسمبر الجاري.
وبمضي الوقت شاع استعماله بحيث أصبح يطلق على كل ما لا يعجب السلطة من قول (كما حدث مع برنامج إبراهيم عيسى) أو فعل (كما حدث في حالة تفجير الكنيسة). حين انتبهت إلى تواتر استخدام المصطلح على الصعيدين السياسي والإعلامي قررت أن أجري بحثاً حوله على محرك «جوجل». وحين فعلتها أثارت دهشتي كثافة استخدامه وتنوع المجالات والمواقف التي يجرى تنزيله عليها.
وهو ما شجعني على ترشيحه ليكون كلمة العام 2016 في مصر.
ذلك أن التقليد الذي ابتدع الفكرة في المجتمعات الغربية يتخير كلمة العام من بين مفردات أو مصطلحات عدة تختزل ظاهرة أو تعبر عن حالة في المجتمع لها حظ من الشيوع، ودرجة مميزة من الحضور والتأثير، وهو ما حدث مع قاموس أوكسفورد في شهر نوفمبر الفائت حين تخيرت اللجنة المشرفة عليه عبارة «ما بعد الحقيقة» لتكون كلمة العام 2016، وهي تعبر عن النزوع إلى تصديق الأضاليل والأكاذيب دون الحقائق الموضوعية.
(2)
أدري أن كلمة العام في المجتمعات الغربية تتولاها لجنة من الخبراء والمتخصصين، لذلك اعتبرت أن ترشيحي لمقولة «هدم الدولة» لتكون كلمة العام في مصر هو مجازفة تعبر عن انطباع شخصي يمكن أن يكذبه البحث الموضوعي لكن خبرتي المتواضعة أقنعتني بأن أجواءنا لا توفر فرصة كافية للبحث الموضوعي.
لكي أتشجع فيما اعتزمته، فإنني لجأت إلى صحفي نابه تخصص في تكنولوجيا المعلومات وصار من خبرائها، هو زميلي الاسبق في مؤسسة الأهرام الأستاذ جمال غيطاس الذي أسس مجلة «لغة العصر». إذ طلبت منه أن يساعدني في تقييم وضع مصطلح «هدم الدولة»، وما إذا كان جديرا بأن يصبح كلمة العام أم لا.
غاب جمال غيطاس يوما ثم زودني بما طلبت. اعتبرت أن ما فعله نوعا من السحر الذي يحفظ أسراره، إلا أنه أجابني حين سألته بأنه استخدم ما أسماه «البحث المتقدم لجوجل». ولجأ إلى تحليل المادة التي بثها 131 موقعا للتواصل الاجتماعي في الفترة من أول يناير عام 2016 وحتى مساء يوم 22 ديسمبر.
وحين تتبع ما ذكرته تلك المواقع بخصوص هدم الدولة أو 11 مصطلحا آخر يدل عليه (مثل إسقاط الدولة أو إضعافها) فإنه توصل إلى النتائج التالية:
- في الفترة الزمنية التي سبقت الإشارة إليها استخدم المصطلح بمختلف مترادفاته في تلك المواقع 593 مرة.
- ظل الاستخدام عاديا ولا يثير الانتباه طوال العام، لكنه أصبح كثيفا وملحوظا خلال الأشهر الأخيرة من العام (أكتوبر ونوفمبر وديسمبر)، فخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام كان معدل ظهور المصطلح يتراوح بين 14 و22 و36 مرة، لكن المؤشر ارتفع كثيراً في الأشهر الثلاثة الأخيرة، حين ظهر «هدم الدولة»، 68 مرة في شهر أكتوبر و104 مرات في شهر نوفمبر و179 مرة حتى مساء 22 ديسمبر.
- معدل ظهور المصطلح في مواقع الصحف اليومية خلال الفترة ذاتها كان كالتالي: المصري اليوم 81 مرة، الوطن 49 مرة، اليوم السابع 49 مرة، البوابة 34 مرة، الأهرام 25 مرة.
(3)
أنبه إلى أن تلك النتائج أولية وتقريبية، ومع ذلك نستطيع أن نستخلص منها إذا تأكدت عدة ملاحظات هي:
- إن مصطلح هدم الدولة أخذ مكانه في لغة الخطاب الإعلامي بحيث أصبح يستخدم في سياق التنديد والاتهام تارة أو التنبيه والتخويف تارة أخرى. وفي الحالتين فإنه يراد به تعبئة الرأي العام واستنفاره لكي يحتشد حول الدولة ويهب دفاعا عنها.
- إن كثافة استخدام المصطلح كانت محدودة في بدايات العام، ولكنها تضاعفت في الأشهر الأخيرة من العام.
أما العنصر الأكثر أهمية في إشاعة الغضب فقد تمثل في الغلاء الذي عانى منه الجميع وتعويم الجنيه الذي زاد الطين بلة.
وتلك عوامل أضعفت كثيراً من موقف السلطة التي حملت بالمسئولية عن كل ذلك. لذلك فإن القائمين على الأمر حاولوا امتصاص ذلك الغضب من خلال التلويح بأن خطر هدم الدولة يلوح في الأفق، الأمر الذي يستدعي التفافا حولها وليس انتقادها أو الغضب منها. آية ذلك أن البحث الذي أجرى بيَّن أن معدل النشر اليومي لمصطلح هدم الدولة ظل يتزايد طرديا مع تنامي مؤشرات الغلاء وتدهور قيمة الجنيه المصري عقب تعويمه، ففي حين أن المعدل في بداية العام وحتى منتصفه تراوح بين 0.5 و1.2% فإنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة بدأ بـ2.3 % مع رفع الدعم عن السلع في شهر أكتوبر، ثم ارتفع إلى 3.5% في شهر نوفمبر الذي تم فيه تعويم الجنيه ووصل في شهر ديسمبر إلى 6% بعدما اقترب سعر الدولار من 20 جنيها، بما يعني أنه كلما استحكمت الأزمة، تعالت الأصوات المحذرة من خطر هدم الدولة.
- إضافة إلى رسائل التحذير من الخطر المفترض التي توجهنا أجهزة التوجيه المعنوي عبر قنوات التليفزيون فإن الصحف الخاصة تؤدى دورا موازيا في ذات الاتجاه.
(4)
مشكلة المصطلح تكمن في أنه ثمرة تغليط خلط بين الدولة والنظام، في حين أن الأولى كل والنظام جزء.
وذلك تغليط شائع في الدول غير الديمقراطية، حيث تختزل الدولة في النظام الذي يديرها، وأحيانا في شخص القائد الذي يحكمها.
وهو اختزال غير بريء يعمد إلى تحصين النظام أو الزعيم ضد أي نقد. إذ يصبح النقد أو المعارضة في هذه الحالة جريمة ضد الدولة تستحق العقاب المشدد. وبسبب ذلك الخلط فإن دور أمن الدولة أصبح محصورا في أمن النظام والقائمين عليه.
بسبب ذلك الاختزال فإن مصطلح هدم الدولة صار تعبيرا مراوغا وفضفاضا يفتح الباب لملاحقة كل من لا يرضى عنه النظام ويصورهم بحسبانهم متآمرين على الدولة. وحكاية الحرب الأهلية الموشكة في مصر، وحروب الجيل الرابع التي تتعرض لها البلاد وتآمر أجهزة مخابرات الدول الكبرى عليها، من نماذج تلك الأساطير.
سأكون مسروراَ لو ثبت خطأ ما ذكرت، لكن أرجو ألا تحرمني من قبول «شرف المحاولة».
كاتب مصري