«تنفيذ» البرنامج الحيُّ الذي يتنفس

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٨/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
«تنفيذ» البرنامج الحيُّ الذي يتنفس

محمد محفوظ العارضي

ما يميز برامج التنمية الاقتصادية أنها متغيرة ومتحركة وليست ثابتة، تتطور بتطور مسيرة البرنامج نفسه، تتسع حيناً لتشمل مجالات جديدة وتستوعب أفكاراً جديدة فرضتها التجربة، وتضيق حيناً لتلفظ ما ثبت بالممارسة أنه غير مجدٍ أو أن وقته لم يحن بعد. إن التعامل مع «تنفيذ» كونه ثابتاً لا يتغير قد يوصلنا إلى نهايات مسدودة وقد يعطل مساعينا ومسيرتنا في وقت نحتاج فيه للزمن حليفاً وليس عدواً. لذا يجب التعامل مع «تنفيذ» بمثابة كائن حي، مولود جديد يحتاج للرعاية والتدريب التدريجي حتى يشتد عظمه وينضج هيكله. ومسيرة النضج هذه مرتبطة أولاً بآليات المتابعة والقراءة والتحليل لكل مرحلة تم تنفيذها من مراحل البرنامج، لتأتي التي تليها مكمّلةً لها من ناحية وتأسيساً لمرحلة قادمة من ناحية ثانية. لذا على النقد أن يكون منهجياً وعلمياً يراعي الوقائع المجسدة على الأرض وليس الرغبات التي قد تدفعنا للتغني بالمنجزات وإغفال السلبيات. وهنا أود مشاركة القراء الأعزاء بعض الملاحظات التي أرجو أن تسهم في التطوير الدائم للبرنامج وفي إنجاحه أيضاً. أولاً: بالنسبة للصناعات التحويلية، يجب الاعتماد بالحد الأقصى فيما يتعلق بالمواد الخام والكوادر البشرية والأبحاث العلمية على المصدر الوطني، فالبرنامج فرصة لصقل الخبرات والمواهب الوطنية وفرصة لاستغلال الموارد الأولية الخام في السلطنة. ليس هناك ما هو أكثر أهمية من خوض تجربة وطنية صناعية متكاملة من الألف إلى الياء، وهذا لا يعني طبعاً عدم الاستفادة من الخبرات الأجنبية، لكن يجب التعامل مع هذه الخبرات على أساس التوطين، أي نقلها من الأجنبي للمحلي.

ثانياً: ولا نزال في إطار الصناعات التحويلية، يجب مراعاة احتياجات السوق العماني واحتياجات أسواق دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى بقاء إمكانية دخول السوق العالمية متاحة. إن عولمة المنتج اليوم هي ضمانة لنجاح عملية الإنتاج، فالسوق العالمية خاصةً بعد الأزمة المالية الأخيرة، والتباطؤ الذي طرأ على مستويات الإنتاج العالمي، فتحا الطريق أمام مصادر جديدة للسلع الأساسية على وجه التحديد. كما غيّرت هذه الأزمة من خريطة الاقتصاد العالمي وأظهرت مراكز اقتصادية جديدة مرشحة لقيادة الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا.

إن بناء جسور من التواصل والتبادل بين السلطنة وهذه الأسواق يجعلنا أكثر قرباً من المستقبل الذي يبشّر بصورة جديدة ومختلفة تماماً في ملامحها الاقتصادية عن تلك التي كانت قبل العام 2008.
ثالثاً: يشكل الأمن الغذائي والخوف من اختلال معادلة الأمن هذه، هاجساً أممياً يفوق في تأثيره هاجس الأمن بمفهومه التقليدي، بل أن ندرة مصادر الغذاء التي باتت تهدد العالم بسبب ظاهرة التصحر والتغير المناخي قد تشكل، فيما هو قادم من زمن، سبباً مباشراً للأزمات والصراعات بعد أن كان هذا السبب مخفياً لسنوات طويلة خلف خطابات شمولية.
في هذا السياق، أرى أنه بات من الضروري أن نرسم خطة للاستثمار الخارجي تأخذ في الاعتبار تعويض النقص الذي قد يعانيه السوق العماني خاصةً في مجال الأمن الغذائي. هناك دول عديدة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا مستعدة للشراكات الاستثمارية الخارجية في مجال الزراعة والثروة الحيوانية... إلخ. صحيح أن السلطنة تتميز عن غيرها من دول الخليج بخصوبة أراضيها، لكن التفكير في المستقبل يفرض علينا أن نراعي النمو السكاني وحاجة السكان للغذاء.
رابعاً: الربط العضوي بين القطاع المالي وباقي القطاعات التنموية المستهدفة في برنامج «تنفيذ» مسألة في غاية الأهمية، فهي ضمانة ليس فقط لتمويل التنمية بل ولتوطين التمويل أيضاً، بمعنى تمويل المشاريع برأس مال وطني والحد من اللجوء للاستدانة من المؤسسات المالية الدولية. لقد أثبتت تجربة الإكوادور وتشيلي والأرجنتين وغيرها، أن سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين لم تكن ملائمة لعمليات التنمية في هذه البلدان.
إن مصدر تمويل التنمية يعد مؤشراً على مدى سيادتها واستدامتها، والتمويل الوطني ضمان لتحقيق هذين الهدفين: السيادة والاستدامة. وفي سبيل تطوير مصادر التمويل هذه، على القطاع المالي العمل مع الجهات الرسمية لإصدار صكوك جديدة تحمل اسم «صكوك تنمية» على سبيل الاقتراح، بحيث يكون إصدار هذه الصكوك متصلاً بتمويل مشاريعنا برأس مال محلي اجتماعي مؤسساتي، فمن خلال شراء المواطنين والشركات والمؤسسات لهذه الصكوك، يمكن جمع مبالغ هائلة لتسريع برنامج تنفيذ وتوسيع حجم مشاريعه.
خامساً: وهذه قضية تحدثنا عنها سابقاً، ألا وهي قضية تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة وبشكل أساسي المشاريع ذات الملكية الجماعية، لأن من مخاطر مشاريع التنمية الحديثة هو احتمال استئثار الشركات الكبرى خصوصاً العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات بمفاصل الاقتصاد الوطني، وبالتالي فإن دعم هذه المشاريع يحقق التوازن في الملكية وفي الحصص ويمنع من التفرد والاحتكار اللذين قد يتزايدان في غفلة عن الجهات الرسمية بشكل تدريجي وغير ملحوظ.
هناك الكثير من الملاحظات التي تفرزها مسيرة برنامج «تنفيذ»، والكثير من الأفكار والابتكارات أيضاً، فكما قلنا هذا برنامج حي يقوى ويشتد بالتفاعل مع المتغيرات والمستجدات التي تفرزها التجربة على الأرض، وهذه الأفكار أيضاً هي العامل الأساسي في إنضاج وعي البرنامج وقدرته على الفرز بين ما هو نافع وغير نافع بمرونة عالية.
رئيس مجلس إدارة البنك الوطني العماني ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي لـ«إنفستكورب»