
علي بن سالم الراشدي
فقد برنامج التعمين خلال الفترة الأخيرة الزخم الذي انطلق به قبل سنوات والذي بدأ فعلياً بعقد ندوات تشغيل القوى العاملة والتي استضافتها المخيمات السلطانية خلال الجولات السامية في الولايات، حيث خرجت هذه الندوات بقرارات مهمة رسمت خريطة واضحة لتعمين كافة القطاعات الاقتصادية وذلك بالشراكة التامة بين القطاعين الحكومي والخاص عبر تشكيل لجان مشتركة للتعمين، حيث وضع على عاتقها تنفيذ مقررات هذه الندوات بحيث تصل إلى نسبة معينة من الإحلال وبأسرع وقت ممكن وبدون الإخلال بمسيرة العمل بالقطاع الخاص واحتياجاته من القوى العاملة الوافدة.
اتخذ برنامج التعمين عند انطلاقه مسارين تكفلا بدمج أكبر نسبة من الأيدي العاملة العمانية في السوق، حيث يركز المسار الأول على حظر عدد من المهن على العمالة الوافدة وفتحهما أمام العمانيين، وقد بدأت بمهن بيع المواد الغذائية والخياطة النسائية كمرحلة أولى، على أن تأتي بعدها مهن أخرى ضمن خريطة طريق طموحة تنتهي بتعمين أكبر عدد من المهن في السوق.
رغم الصعوبات التي واجهت هذه التجربة عند ولادتها وأبرزها منافسة القوى العاملة الوافدة والتي ترى في تعمين هذه المهن خطراً يستحوذ على جزء رئيسي من السوق خاصة إذا علمنا بأن نشاط بيع المواد الغذائية يحتل النشاط الأول للقوى العاملة الوافدة ويمثل أكبر مورد مالي، إلا أن هناك نتائج مبشرة تشي بأن هناك أملاً بدأ يلوح في الأفق في كسر احتكار الأيدي الوافدة لقطاع البيع بالتجزئة، وبدأت لوحات برنامج سند تأخذ حيزاً في أسواق السلطنة وبدأنا نشاهد قصص نجاح حية لشباب أثبتوا وجودهم في السوق في مقابل التحدي والصعوبات التي واجهت البعض، ولكن المشهد كان مبشراً وكان الأمل سيد الموقف وكان برنامج سند يشق طريقه رويداً رويداً في زحف أوقف نشاط التجارة المستترة وأكد أن الشاب العماني باستطاعته النجاح وأن التجارة التي أتقنها العمانيون عبر مئات السنين ستعود أخيراً إلى أيديهم.
في المقابل كان هناك مسار ثان للتعمين يقوم على زيادة أعداد الداخلين إلى شركات ومؤسسات القطاع الخاص وذلك من خلال حزمة من برامج التدريب والتأهيل للشباب العماني لتلبية احتياجات القطاع الخاص ضمن برنامج التدريب مقابل التشغيل، على أن تتحمل الحكومة كلفة التدريب، وبالرغم من استمرار هذا البرنامج حتى اليوم ولكن الملاحظ وجود تراجع في البرامج المطروحة مع توقف شبه تام لنشاط اللجان القطاعية المشتركة على الأقل إعلامياً، فلم نشهد أي برامج لهذه اللجان ولا حراكاً لدفع التعمين في القطاعات المحددة.
محدودية استيعاب القطاع الحكومي لمخرجات التعليم يفرض اليوم وبشدة العودة إلى برنامج التعمين مرة أخرى، وبالقوة نفسها التي انطلق بها فهو الحل الوحيد والأكيد لطابور طويل من الخريجين ينتظر وظيفة في مقابل أكثر من مليون ونصف وافد يشغل كافة المهن، والحل في الإحلال التدريجي لكافة المهن بالسوق، ففي ظل تراجع التوظيف الحكومي وأيضاً انخفاض استيعاب القطاع الخاص نظراً لتراجع الإنفاق الحكومي يبقى التعمين هو الحل وهو الطريق الصحيح لتوظيف الكوادر العمانية، ولنبدأ بالمهن الفنية والتي توفر دخلاً عالياً للعاملين بها ومنها مهن الكهرباء ومهن التبريد وإصلاح السيارات ودهان السيارات، على أن يشمل البرنامج مستقبلاً كافة مهن البيع بالتجزئة، وكما نجحنا في تعمين قيادة سيارات الأجرة وسيارات نقل المياه وسيارات الغاز سننجح في كافة المهن.
يبقى موضوع الإحلال قضية وطن يعنى بها الجميع وهي ليست مهمة وزارة القوى العاملة وحدها فهي مستقبل أبناء هذا الوطن الذين ينتظرون وظيفة توفر لهم حياة كريمة وفي ظل وجود أكثر من نصف السكان من القوى العاملة الوافدة فمن الصعب أن نقول إن هناك نقصاً في الوظائف فالصحيح أن هناك نقصاً في التخطيط الصحيح للسوق وفي معالجة أزمة احتكار الوافدين لكافة المهن، ومنها مهن يوجد عمانيون يتقنوها، وحان الوقت لأن نساعدهم في شغلها.
نتمنى أن نرى زخم التعمين يعود مرة أخرى مجتمعياً وإعلامياً وأن نشجع أبناءنا وندفعهم إلى الأمام فالطريق صعب وليس مفروشاً بالورد، ولكن من لا يحب صعود الجبال سيظل دائماً تحت الحفر.