سيرة الأمكنة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٥/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
سيرة الأمكنة

محمد بن سيف الرحبي

تتشابه الأمكنة في تغيرها، حيث يعبرها زمن متشابه، والأهم أن توثيقها ينحو صوب ما يعدّ «ديوان العرب» حالياً، فالرواية، المسار الأثير في الكتابة عن التحولات، والبكاء على الأطلال، وتكرار بمعاني مختلفة المقولة المكرورة «راحوا الطيبين» أو كان «زمن الطيبين» وقد عبروا تحت جسور الحياة واحدا إثر آخر، ليبقى جيل «التقنية» المقولب، كأنما في دواخلنا أسلاكاً «ليست شائكة بالضرورة» نتعامل بها وعبرها مع الآخر، وهو ليس بمنجاة من هذه «القولبة» التقنية.

ربما، الرواية هي الأصلح دائما، ومنذ أن اكتشف العرب هذا اللون الأدبي في التعبير، ليس عن ذواتهم كما يفعل الشعر، بل عن تصوراتهم تجاه الآخرين، ومساراتهم على الحياة، حيث الثوابت ليست سوى مشروع قابل للتحول إن واتته الظروف، والعواصف التي لا ترحم بتقلبات قادرة على تغيير الصورة كلما وجدت إلى ذلك سبيلا.
عالميا وعربيا حدث ذلك في المشروع الروائي، نهوض أمم أو انكفائها، ثورات ملتهبة أو حروب قاصمة، السلم الاجتماعي لا يصنع حدثا، لكن هناك الحديث «الخليجي» عن تحولات بين زمنين، ما قبل النفط وما بعده، ما أصاب الأرض، وما حدث للإنسان، يواجه ما صار إليه مستعيدا، حدّ التباكي، الماضي «الطيب» قبل أن تتغير أخلاقيات البشر لتكتسب مدنيّة لم يعتدها البشر، وسلوكيات رأوها خروجا عن «العادات والتقاليد» المتوارثة، فكان صراع الأجيال أكثر حدّة، فالمجتمع المنغلق الذي عرفه الأجداد (كمثال أبرز) لا يشبه أبدا ذلك العالم المنفتح على قرية صغيرة يجري التشبيه بها، حيث تنهض بيوت الإسمنت بجوار موضة الملابس الحديثة، وتكبر عادات أخرى على حطام سابقتها، فيميل البعض إلى التباكي على ما ذهب، بينما هم يعيشون حداثة مفرطة تمسّ أنماطا كثيرة في حياتهم.
آخر الأعمال الروائية التي قرأتها رواية بحرينية بعنوان «الدفنة» أهداها لي كاتبها فوّار الشروقي، والمكان محدد بدقّة، الدّفنة في المحرق، والزمان يدور في فلك أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، مع مرحلة نهوض فكرة «الجهاد» في أفغانستان واحتلال الكويت وتفجير البرجين الشهيرين في نيويورك، مع أن المسار الروائي لا يقترب من ذلك السياسي إلا عبر الإشارة إلى زمنية الرواية، لكن الأفق الاجتماعي العامل المسيطر على الأحداث، وهي تروي عن شخصيتين، سلمان وهناء، تتقاربان لتبعدان، وفي مسار كل منهما تدور الحبكة ترصد التحولات في شخصيتيهما، شاب وفتاة، يعرفان كل تكبر «المساكن الاجتماعية» للفقراء، وكيف يزلزل الفقر «الفكري» توازنهما، حيث يضغط الاجتماعي على الظروف المحيطة، في جرأة تحسب للكاتب، مع ما تخلل الرواية من «زيادات» لا لزوم لها، أطالتها، لكن لغة الراوي بقيت جاذبة حيث المناخات التي تتحدث عنها تمتلك جاذبيتها أيضا.
عمل يرصد تحولاً في «المنطقة»، وكيف أثّرت أحداث خارجية على قرية صغيرة لا تكاد ترى على خارطة العالم، فيذهب زوج هناء «الثالث» إلى أفغانستان للجهاد فيقتل، فتأتي «الداعيات» لتعزية أرملة الشهيد ويمنحنها راتبا شهريا، لتكتشف أن «الشهيد» مات في باكستان بعد أن تزوج من إحدى بنات شيوخه هناك.
عمل روائي يحفز على القراءة لتتبع مسارات الشخوص وتداعيات حياتها، مع رسائل فكرية «واضحة» يحمّلها الكاتب على لسان بطله سلمان، شاء أم أبى!