قانون التسوية وأملاك الغائبين

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٠/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٦:٤٥ ص
قانون التسوية وأملاك الغائبين

غازي السعدي

من يتابع الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من نهب للأراضي الفلسطينية، والتشريعات المخجلة لتثبيت أقدامها في الضفة الغربية، من استيطان وهدم بيوت، وتهويد لتغيير معالم المنطقة، ليذكرنا بطبيعة الاحتلال، وبنفس الصورة التي قامت دولة إسرائيل عليها العام 1948، على أنقاض القرى التي هدمتها في منطقة العام 1948، وتهجير سكانها وكيفية الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، فالأساليب المتبعة اليوم هي نفس الأساليب التي عملت بها منذ الاحتلال الأول، فقد كان من الخطأ اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل، دون ترك هامش للمفاوضة والمناورة، بعد أن استولت أيضاً على جزء من الأراضي التي خصصت لإقامة الدولة العربية، وفقاً لقرار تقسيم فلسطين العام 1947، ودون الحصول على اعتراف إسرائيلي بإقامة الدولة الفلسطينية التي خصص القرار لها 46% من مساحة فلسطين، فإن التنازل عن هذه الورقة الأممية، تستغلها إسرائيل في سرقة أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتساوم على اقتطاع جزء منها، بل تعمل على ضمها لإسرائيل.

حين تسلم الحكم حزب الليكود العام 1977، بزعامة «مناحيم بيغن»، كان من أوائل تشريعاته السماح لليهود بشراء الأراضي في الضفة الغربية، كجزء من مخطط المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، ففي مؤتمر كامب ديفيد العام 1978، كان الجدل حول إقامة حكم ذاتي للسكان دون تحديد مساحة أو حدود الحكم الذاتي، ودون ذكر أن الحكم الذاتي يشمل الأرض وموضوع السيادة عليها، فرئيس الوزراء في حينه «مناحيم بيغن»، انتزعت منه رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، تعهدا أن إسرائيل لن تبني مستوطنات على أراضٍ بملكية فلسطينية خاصة، بل على أراضي دولة، مع أن أراضي «دولة» من حق الدولة الفلسطينية العتيدة، وليس إسرائيل التي تقيم مستوطناتها على أراضي دولة، وعلى أراضٍ بملكية فلسطينية خاصة، وفي هذه الأيام، تعمل على إضفاء الشرعية على المستوطنات، من خلال تشريع قانون لتسوية الأراضي، حيث يعتبر هذا القانون من أخطر القوانين الإسرائيلية التي تمهد لضم الضفة الغربية لإسرائيل، وهذا يتعارض مع القانون الدولي الذي لا تلتزم به إسرائيل، فلا يوجد في اتفاقات أوسلو، أو في الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، ولا في قرارات الأمم المتحدة، وحتى بوثيقة خارطة الطريق، ما يسمح لإسرائيل ببناء المستوطنات، وهناك قرارات أممية عديدة اتخذت لمنع هذا الاستيطان، لكن إسرائيل تعتبر نفسها فوق جميع القوانين الدولية، ضاربة عرض الحائط بهذه القرارات.

قانون «تسوية الأراضي» أصبح الشغل الشاغل للسياسيين الإسرائيليين وللمستوطنين في أعقاب قرار المحكمة العليا هدم بؤرة عمونا الاستيطانية، والحقيقة أن هذا القانون وضع لنهب الأراضي الفلسطينية، فقد صادق الكنيست عليه في القراءة الأولى بتاريخ 7-12-2016، بأغلبية (58) نائباً مقابل معارضة (51)، فهناك آلاف المستوطنين يقيمون على أراضٍ فلسطينية خاصة، وحسب المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية فإن قانون التسوية سيقود آلاف المستوطنين إلى محكمة جرائم الحرب الدولية، مما يُحدث قلقا في إسرائيل، بعد أن كانوا يدعون بأن المستوطنات تقام على أراضٍ ليست بملكية فلسطينية، بل أملاك دولة، وفجأة تبين أن هذا الادعاء كان خدعة كبيرة، وهذا القانون سيوجد مشاكل جديدة لإسرائيل، أولها: أن المستشار القضائي للحكومة يتحفظ عليه، وثانياً: فإن المستشار القضائي لا يتمكن من الدفاع عنه أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، وثالثاً: فإن إسرائيل ستواجه مشاكل على الصعيد الدولي الذي يعارض هذا القانون بشدة، ليأتي الوزير «نفتالي بينت»، ليقول صراحة بأن هذا القانون مجرد البداية، لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بأكملها.

لقد أثارت بؤرة عمونا الاستيطانية، النقاش حول قانون أملاك الغائبين، الذي ينص على أن يقوم القيم على أملاك الغائبين بإدارتها حتى عودة الغائب، وكان من المحظور إسرائيلياً بناء مستوطنات على تلك الأراضي، بيد أن المستشار القضائي للحكومة، الذي يعارض بقاء بؤرة عمونا، ويجب تنفيذ قرار المحكمة العليا بهدمها، فإنه يوافق على نقل هذه البؤرة، على أراضي غائبين لمدة ثمانية أشهر، بإقامة أبنية مؤقتة عليها، والسؤال ماذا بعد الأشهر الثمانية؟ فالقيم على أملاك الغائبين، الذي يعلن عن عطاءات للأرض، فلماذا يحصل المستوطنون فقط على هذه العطاءات، ومغلق أمام الفلسطينيين، فهناك أكثر من أربعة آلاف منزل مقامة على أراضي ملك للغائبين، في المستوطنات، وللخروج من مأزق الحكومة المتعلق بالمستوطنات، تريد تطبيق النموذج القبرصي بتعويض الفلسطينيين الذين استولى المستوطنون على أراضيهم، كما حصل في قبرص، في أعقاب الحرب الأهلية القبرصية، وانقسمت الجزيرة إلى جزء تركي والآخر يوناني، حيث تم تبادل أراض وتعويضات مالية بين الجانبين، فالشلل السياسي لحكومة إسرائيل في محاولتها استنساخ النموذج القبرصي، أو من خلال استخدام أملاك الغائبين لحل مشكلة المستوطنات المعقدة باطلة. هل ستصغي الحكومة الإسرائيلية، إلى تحذيرات الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي، بأن لا شرعية للاستيطان، فهو غير قانوني من جهة ويشكل عقبة رئيسية في تحقيق التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، سواء كانت المستوطنات مقامة بقرار من الحكومة الإسرائيلية، أم لا، فقانون التسوية الذي لم ينضج بعد، هو استمرار لسرقة الأراضي الفلسطينية، بغطاء قانوني ، فهذا القانون غير قانوني بحد ذاته، ووفقاً للخبير الفلسطيني مدير قسم الخرائط بدار الشرق المقدسية خليل التفكجي، فإن هناك (145) ملفا جاهزة مزودة بالخرائط منذ فترة طويلة تنتظر تقديمها للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها تنتظر وتحتاج إلى قرار سياسي فلسطيني لتقديمها إلى المحكمة الدولية، ونحن لا نفهم أسباب هذا التأخير، مع أن المسؤولين الفلسطينيين يرددون في كل مناسبة بأنهم سيتوجهون إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، وأن الادعاء الإسرائيلي الجديد، بأنها غير محتلة للضفة الغربية، بل أنها محررة على عكس القرارات الدولية، والاعترافات الإسرائيلية السابقة بذلك.

مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية.