الفقر والشعبوية

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٥/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٦:٢٩ ص
الفقر والشعبوية

داني كيوا
كيشور ماهبوباني

إن السؤال الكبير في الدول الآسيوية هذه الأيام هو: ما هو الدرس المستفاد من انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية ومن استفتاء «بريكست» حيث اختار الناخبون البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي. للأسف فإن التركيز ليس في محله: التغيير الجيوسياسي.

عوضا عن التركيز على التغيير الجيوسياسي فإن الطرح الاقتصادي أصبح هو السائد وهو أنه بينما العولمة تحسن الرفاهية بشكل عام فإنها أيضا تؤدي إلى تشريد العمال والصناعات وتؤدي للمزيد من التفاوت في الدخول مما يوجد قاعدة انتخابية قلقة وهذه القاعدة هي التي دعمت بريكست وترامب. إن الطرح البديل يؤكد أن التقدم التقني وبشكل أكبر من العولمة هو الذي أدى إلى تفاقم انعدام المساواة الاقتصادية مما مهد الطريق لحصول اضطرابات السياسية في الدول المتقدمة.

في كلتا الحالتين فإن صنّاع السياسات في الدول الناشئة قد حددوا انعدام المساواة كمشكلة رئيسية ودعموا الجهود المبذولة لتحسين قدرة الناس على الارتقاء طبقياً خوفاً من قيام العولمة والتقنيات الجديدة بتشريد الطبقات المتوسطة والعمالية فيها مما يمهد الطريق لما يشبه بريكست وفوز ترامب في بلدانهم. بالنسبة للدول الآسيوية فإن وصفة السياسات واضحة: الاعتناء بالناس المحرومين وتوفير إعادة التدريب والوظائف الجديدة للعمال المشردين.
بالطبع فإن على جميع المجتمعات الاعتناء بالناس الأكثر فقراً فيها وتحسين القدرة على الارتقاء الطبقي بينما في الوقت نفسه تكافئ ريادة الأعمال وتحث الناس على تحسين حظوظهم وقدرهم ولكن التركيز على تلك السياسات لن يتعامل مع السخط الشعبي الكامن في هذه الانتفاضة الشعبوية؛ وذلك نظرا لأن انعدام المساواة ليس هو السبب الأساسي بل هو الشعور بفقدان السيطرة.
حتى لو تمكنت البلدان من جسر الهوة في الدخل والثروة وضمنت قدرة جميع مواطنيها على الارتقاء طبقياً فإن القوى الموجودة حول العالم والتي تشعل السخط الشعبي سوف تبقى، فلو نظرنا للولايات المتحدة الأمريكية لوجدنا أن الطفل المدلل للطرح المتعلق بانعدام المساواة هو عبارة عن الذكور البيض المشردين الأكبر سناً والأقل تعليماً والذين ينتمون للطبقة العاملة، والكثير من الناس يرون أن الفضل يعود لهؤلاء في انتصار ترامب ولكن هذه المجموعة لم يكن لها في واقع الأمر أكبر تأثير على نتيجة الانتخابات.
فطبقا لاستطلاعات الرأي فإن ترامب فاز بنسبة 53% من أصوات الذكور البيض من خريجي الجامعات و52% من أصوات النساء البيض (43% فقط من المجموعة الأخيرة دعمت كلينتون)، كما فاز بأصوات 47% من الأمريكان البيض بين عمر 18 و29 مقارنة بنسبة 43% لكلينتون، كما انتصر على كلينتون بنسبة 48% مقابل 45% بين إجمالي خريجي الجامعات من البيض مما يعني أن أنصار ترامب لا يتناسبون مع الصورة النمطية التي هي في قلب هذا الطرح الاقتصادي.
في الوقت نفسه فإن أكثر من نصف ما نسبته 36% من الأمريكان الذين يجنون أقل من 50 ألف دولار أمريكي سنويا صوتوا لكلينتون، وبقية النسبة أي 64 % من الناخبين صوتوا بنسبة 49% لترامب و47% لكلينتون، مما يعني أن الفقراء فضّلوا كلينتون والأغنياء فضّلوا ترامب، وبعكس الطرح السائد بين الناس فإن ترامب لا يدين بفوزه للناس الأكثر قلقا من احتمالية تدني مستواهم الاقتصادي.
لقد تكشفت قصة مماثلة فيما يتعلق بتصويت بريكست في بريطانيا، حيث أكدت حملة «الخروج» أن أحكام وقوانين الاتحاد الأوروبي التي من المفترض أنها تشكل عبئا ورسوم العضوية باهظة الثمن تؤثر سلبا على الاقتصاد البريطاني وهذا الطرح لا يعتبر جزءا من أجندة لمكافحة انعدام المساواة والإقصاء فيما يتعلق بالاقتصاد علما أن رجال الأعمال الأغنياء هم الذين قدموا أكبر الشيكات من أجل دعم حملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك فإن المشاعر على مستوى الشارع التي ساهمت في انتصار حملة الخروج لم تكن قائمة على أساس انعدام المساواة أو «نسبة 1%»: لقد صب الناخبون من الفقراء المهمشين جام غضبهم على الفقراء المهمشين الآخرين –وخاصة المهاجرين- وليس الأغنياء. لقد أشار مكتب عمدة لندن إلى زيادة مقدارها 64% في جرائم الكراهية خلال ستة أسابيع من الاستفتاء مقارنة بالأسابيع الستة التي سبقت الاستفتاء، وعليه بينما انعدام المساواة في الدخل يمكن أن يكون جزءا من الضجيج في خلفية حملة بريكست، فإنه لم يكن القضية الأولى بالنسبة للناخبين الذين صوتوا لمصلحة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
إن الذي يجمع أنصار ترامب وبريكست ليس الغضب من استثنائهم من فوائد العولمة، بل من الشعور المشترك بالانزعاج لأنهم لم يعودوا قادرين على التحكم بمصائرهم. إن اتساع هوة انعدام المساواة قد يزيد من هذا الانزعاج والقلق، ولكن هناك عوامل أخرى قد تزيد من ذلك الانزعاج والقلق كذلك مما يفسر لماذا الناس من جميع مستويات توزيع الدخل يشعرون بالقلق، وفي واقع الأمر فإن العديد من الناس في شرق أوروبا شعروا بفقدان السيطرة خلال التجارب الاشتراكية القاسية خلال حقبة ما بعد الحرب وهو نفس الشعور الذي أحس به الصينيون خلال الثورة الثقافية وهذه المجتمعات فيها ظاهريا الحد الأدنى من انعدام المستوى في الدخل.

على النقيض من ذلك فإن من الممكن أن أنصار بريكست وترامب قد شعروا بآثار العولمة لأن انعدام المساواة بشكل عام قد تناقص فعلياً. إن أكبر تأثير للعولمة هو انتشال مئات الملايين من البشر من براثن الفقر في الاقتصادات الناشئة وخلال التسعينيات وصل الناتج المحلي المشترك الإجمالي للبلدان الناشئة (بسعر الصرف في السوق) بالكاد إلى ثلث الناتج المحلي الإجمالي المشترك لدول مجموعة السبع العظام وبحلول سنة 2016 فإن هذه الهوة قد اختفت فعليا.

إن انعدام المساواة في الدخل المنخفض عالمياً عوضاً عن زيادة انعدام المساواة في الدخل ضمن الدول هي التي تضع ضغوطات غير مسبوقة على النظام العالمي، فهناك عدم تطابق متزايد بين ما يمكن أن توفره الدول الغربية وما تطلبه الاقتصادات الناشئة. إن قوة محور عبر الأطلسي والذي كان يدير العالم ينزلق حيث يعم الشعور بخسارة التحكم والسيطرة بين النخب السياسية والمواطنين العاديين على حد سواء في تلك البلدان.

لقد نجح ترامب وحملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي في إرضاء الناخبين وذلك بزيادة احتمالية أن تتمكن القوى عبر الأطلسي من إعادة فرض سيطرتها ضمن نظام عالمي يتغيّر بسرعة ولكن مع الصعود الجيوسياسي للدول الناشئة وخاصة في آسيا فإنه ستوجب على هذا النظام تحقيق توازن جديد أو سيستمر انعدام الاستقرار عالميا. إن جسر الهوة في الدخل يمكن أن يساعد الفقراء ولكن في الدول المتقدمة فإن ذلك لن يخفف من شعورهم بالقلق.

داني كيوا: أستاذ في الاقتصاد في جامعة سنغافورة الوطنية.

كيشور ماهبوباني: عميد كلية في جامعة سنغافورة الوطنية.