
بعدما وقعت الواقعة يوم الأحد الدامي الذي تم فيه تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة، فإن إعلان الغضب صار واجباً، لكن ترشيده واستيعاب عبرة الكارثة صار أوجب.
1ما لقيت أحدا يومذاك إلا وكان سؤاله الأول هو: أين الأمن؟ ذلك أن الجريمة إذا كانت قد صدمت الجميع واستحق فاعلوها أن تنصب عليهم كل ما في قاموس اللغة من لعنات، فإن الثغرة الأمنية التي مكّنت القتلة من ارتكابها شكلت صدمة أخرى. فلئن كان مفهوما أن تكون الكنيسة الواقعة في حرم الكاتدرائية هدفا لجنون الجماعات الإرهابية، فمن غير المفهوم أن تغفل الأجهزة الأمنية عن ذلك. إذ رغم أن وقائع ما جرى لم تُعرف بعد بسبب ضيق الوقت، إلا أن المتواتر حتى الآن أن الكنيسة يحرسها شرطيان أو ثلاثة، وأن الداخل إليها لا يتعرّض للتفتيش، الأمر الذي مكّن القتلة من إدخال كمية المتفجرات التي قدرت بنحو 12 كيلوجراما ووضعها في المكان المخصص لصلوات النساء. ولأن الكنيسة لها باب مؤدٍ إلى الكاتدرائية فذلك يعني أنها ليست بدورها بمأمن من التفجير، رغم ما يُقال عن الحراسة المشددة المفروضة حولها.
تبدو الملاحظة محيرة لأنه في الوقت الذي تواصل الجماعات الإرهابية عملياتها دون توقف طوال السنوات الثلاث الأخيرة، فإننا نجد أن الأجهزة الأمنية مفتوحة الأعين عن آخرها في التعامل مع النشطاء الذين يُمنعون من السفر وتُصادر أموالهم وتُداهم مقراتهم وتُراقب تعليقاتهم على صفحاتهم الإلكترونية فضلا عن حواراتهم التلفزيونية. ثم إنها مطلقة اليد في التعامل الخشن مع المواطنين العاديين الذين تسوقهم المقادير إلى أقسام الشرطة لأي سبب، ثم يخرج بعضهم منها إلى المشرحة وليس إلى بيوتهم. وهي الحالات التي أصبحت تحتل مكانا ثابتا في صفحات الحوادث بالصحف اليومية.
لا أريد أن أقلل من تضحيات الشــرطة أو الأجهــزة الأمنــية الأخرى، لكننا لا نريد في الوقت ذاته أن يصرفنا حديث التضحيات المقدرة عن الثغرات والانتهاكات المستنكرة؛ لأن هذه نقرة وتلك نقرة أخرى.
2أجواء الانفعال أفقدت كثيرين توازنهم بحيث تعالت أصواتهم داعية إلى مواجهة العنف بالعنف والإرهاب بالإرهاب. وهي الدعوة التي أطلقها أحد وزراء الداخلية في ثمانينيات القرن الفائت، وثبت فشلها لأنها صبت الزيت على النار وأفرزت أجيالا جديدة من الإرهابيين لا تزال سلالتهم قائمة بيننا حتى الآن. مع ذلك فثمة فرق كبير بين أجواء الثمانينيات وبين الأجواء الراهنة؛ ذلك أن حالة الاستقطاب والتشنج المجتمعي لم تكن بالصورة التي هي عليها الآن، فالدعوة آنذاك أطلقها الوزير المذكور لم تعبّر عن سياسة الدولة، وإنما كانت مجرد وجهة نظر محدودة الأثر. أما في زماننا الذي تضاعفت فيه جرعات التعبئة الأمر الذي أدى إلى تعميم الكراهية وتعميق الاستقطاب واتساع دائرة التشنج، فإن الدعوة صارت هتافا جرى الاحتفاء بترديد الجماهير له، وروجت له المنابر الإعلامية المقروءة والمرئية.
إذ ما أن ذاع خبر التفجير حتى سمعنا أصواتا دعت إلى تنفيذ أحكام الإعدام المؤجلة، وإحالة جميع الباقين إلى المحاكم العسكرية وتغليظ العقوبات والتوسع في إجراءات القمع. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي دعوات طالبت بالحسم الذي يقتضي تنفيذ الإعدامات بدون محاكمة واستئصال «الإرهابيين» ليس بالقضاء على أشخاصهم فحسب، ولكن بقتل أطفالهم أيضا، حيث ذكر البعض أن أبناءهم بمثابة إرهاب كامن وانتحاريين قادمين. بالتالي فإن الشعار الذي تعلق به الجميع تلخص في كلمات ثلاث: المشانق هي الحل.
في نظر هؤلاء فإن الأمر لم يكن بحاجة إلى تحقيق أو تحرٍ؛ لأن خطاب الشيطنة حسم المسألة من البداية، وحصر الشر في محيط دائرة واحدة لا ثاني لها، ذلك أن التعبئة المستمرة منذ ثلاث سنوات أرجعت كل الشرور إلى مصدر واحد تمثل في جماعة الإخوان. من ثم فإن المتهم جاهز قبل التفجير وبعده، ولم يبق لطي الصفحة واستئصال شأفة الإهاب سوى إجراء واحد هو صدور قرار بتعليق المشانق وتشغيلها.
3 إننا لا نملك ترف الاستسلام للانفعال. وليس أمامنا بديل عن ترشيده من خلال البحث الجاد في الإجابة عن السؤالين: من فعلها؟ ولماذا؟ في هذا الصدد فإنني أنبّه إلى أن حادث تفجير الكنيسة يمثل تحولاً نوعياً في عمليات الجماعات الإرهابية، ذلك أن العمليات الفائتة التي استهدفت الجيش والشرطة وبعض رجال القضاء يمكن تفسيرها بحسبانها عمليات انتقامية شريرة لتصفية حسابات مع النظام والسلطة، أما عملية الكنيسة الأخيرة فهي موجهة ضد المجتمع.
الإجابة عن السؤال من فعلها منوط بأجهزة السلطة وتحرياتها التي أرجو ألا تتسرّع فيها وألا يتم تسييسها. وليس لمثلي أن يجيب عنه، لكننا قد نستطيع التعرف على الأطراف التي تبرأت منها وأعلنت أنها لم تفعلها. إذ نلاحظ في هذا الصدد أن الإخوان سارعوا إلى إدانة التفجير بعد ساعات من وقوعه. كما أن جماعة «حسم» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم على كمين الشرطة في منطقة الهرم ويُقال إنها قريبة من الإخوان، أصدرت بيانات أدانت فيه التفجير واستنكرته، وهو ما فعلته مجموعة أخرى تطلق على نفسها «لواء الثورة»، التي أعلنت مسؤوليتها عن قتل العميد عادل رجائي قائد الفرقة المدرعة بالجيش، وذلك يعني أن الجهة التي تبنّت التفجير ليست معلومة بعد.
4 لست أشك في أن حواراً يجريه المستقلون من أهل الاختصاص والخبراء بوسعه أن يقدم إجابة أوفى مما عندي على السؤال: لماذا تم استهداف الكنيسة؟ وإلى أن يتم ذلك فإنني أضع بين أيدي الجميع اجتهاداً يشير إلى عوامل عدة في مقدمتها ما يلي: ارتفاع منسوب العنف في المجتمع المصري بحيث صار القتل خارج القانون سلوكا واردا تغطيه التبريرات التي تقدمها وسائل الإعلام، وحين تكررت شواهد هذا التحول في الآونة الأخيرة، فإن ذلك ربما سوغ للإرهابيين أن يعمدوا إلى التصعيد بحيث ينقلون بدورهم جبهة الصراع من استهداف رموز السلطة إلى الضرب في قلب المجتمع.
بقيت عندي أربع ملاحظات: الأولى إنني أحذر من التهوين مما جرى أو التهويل من شأنه، فنحن أمام جريمة غير عادية تحمل في طياتها نذر نقلة خطرة في الصراع الدائر. وبالتالي ينبغي تجنب استسهال توجيه الاتهامات وحشد المتهمين أو المشتبهين والتعويل على الاعترافات المحررة سلفا؛ ذلك أن المطلوب بذلك جهد غير عادي للتعرف على الفاعلين دون تسرع أو تلفيق. في الوقت ذاته فإن التحذير واجب أيضاً من الادعاء بأن ما جرى يستهدف إسقاط الدولة، وهي المقولة التي باتت تتردد على ألسنة البعض؛ لأن الدولة ليست بالهشاشة التي تسقطها جريمة مهما بلغ حجمها.
الثانية أحذّر أيضاً من الانفعال في الخطاب الرسمي والإعلامي؛ ذلك أن الدولة لا تنتقم ولا تثأر ولا تصفي الحسابات، فذلك مما ينبغي أن يترك للعصابات والقبائل؛ لأن الدولة تكتسب شرعيتها وهيبتها من احتكامها إلى الدستور والقانون ومن إحقاق الحق وإقامة العدل. الثالثة والأهم إننا حين نطالب رجال الأمن بالقيام بما عليهم فإننا لا ينبغي أن نعفي أهل السياسة وأولي الأمر في المقدمة منهم من القيام بما عليهم. أخص بالذكر الحاجة إلى المراجعات التي تستهدف رصد الثغرات السياسية التي أفضت إلى ما وصلنا إليه، خصوصا ما تعلق منها بإشاعة الإحباط وانسداد أفق الحريات والمصالحة الوطنية مع إماتة السياسة والانصراف إلى الاقتصاد دون غيره. الملاحظة الأخيرة إنني أرجو ألا يفهم مما ذكرت تواً أن أياً من العوامل التي أشرت إليها يبرر الجريمة التي وقعت، وإنما هي من قبيل الاجتهاد في تفسير ما جرى، الأمر الذي لا يتعارض مع واجب ملاحقة الفاعلين وتوقيع أقسى العقوبات التي يقررها القانون عليهم.
كاتب مصري