
لميس ضبف
انتابتني مشاعر متناقضة وأنا أقرأ تصريح المدعي العام سعادة حسين بن علي الهلالي بشأن تجريم تداول الرسائل الطائفية أو تلك التي تنال من الآخرين والتلويح بملاحقة المرسل، ومن يعيد الإرسال، بل وحتى مدير المجموعة إن كانت مجموعة واتساب. وأصفها « بالمتناقضة» لأني ابتداءً أنتمي للمدرسة التي تؤمن بالرقابة الذاتية، والحرية المسؤولة، وبحق تحرير المعلومة وتقويض الرقابة. بيد أني من جهة أخرى أتفهم/ألتمس الحاجة لإجراءات كهذه في الدول العربية قاطبة بعد أن رأينا ويلات الانفلات الذي أعادنا للخلف سنوات ضوئية. ففي عصر نكتوي فيه بنار حرب الإشاعات والتأليب القميء الذي يصل للتحريض على القتل والحرق والسبي وكأننا في الجاهلية! في عصر الأجيال مشوهة الوعي، الذين تخللت الكراهية والعنصرية والطائفية مساماتهم وصارت تفوح من أنفاس ما ينشرون. قد نكون بحاجة لغل هذا الغل، وكبح جماح الفتن التي تجتاحنا وحماية الناس من السلاح الذي بين أيديهم وأيدي صغارهم وهو يجهلون نفاذ طلقاته.
هذا القانون لم يقتصر على حماية القيم العامة، بل حاول حماية الأفراد من الشائعات التي تهز ثقتهم بمكانة الدولة واقتصاد السوق أو تشهر بسمعة الأفراد دون دليل. منذ فترة وسوق العقار يشهد تباطؤاً جزئياً وقطع كبير من مشكلته هي أننا نسمع ، ومنذ عام تقريباً، أن أسعار الأراضي ستشهد نكسة قريبة وتأتي تلك المعلومة، غير المستندة عملياً على دليل، مرفقة بتحذير من شراء الأراضي. معلومات مسلوقة كتلك كفيلة بأن تطيح – فعلياً – بسعر الأراضي. وكفيلة أيضاً بأن تؤثر على التعاملات وتدفع البعض للتخلص من أراضيه بسعر بخس. وللأسف الجمهور ينساق وراء التخويف والتخريف ويتعامل مع التحليلات الاقتصادية الرصينة على أنها تضليل وتسويق.
وليس هذا أسوأ ما يمكن أن يطفح في الفضاء الإلكتروني. فحنق وحقد أحدهم على مسؤول أو زميل، أو حسده من تاجر أو ناجح، قد يدفعه لنشر موضوعات تمس شرفه وسلوكه وقد تهدم عائلته ومهنته. هذا النوع من الحروب الرخيصة تحمل براءة اختراع عربية. والدليل غيمة الإشاعات التي تطال كل الشخصيات المعروفة في الوطن العربي.. اللافت أن القانون لا يجرم هنا القاذف فقط، بل ومن يعيد الإرسال بوصفه مروجاً. فبعضنا لا يحبذ إرسال المقاطع الدينية أو المقالات القيمة فيما يجد في رسالة غامضة من مجهول ضد شخص أو فئة مادة تستحق التوزيع لاسيما إن اتسمت بالغرابة والشذوذ محققا بذلك مآرب قد لا تكون في حسبانه.
إن ما نراه اليوم من تآكل قيم المجتمعات وظهور التطرف والإرهاب، ومن يشجعونه سراً وجهراً، هو قطاف أفكار شيطانية تدور بيننا من سنين، والتكنولوجيا التي وجدت لترفع قيمة الإنسان وتسهل حياته صارت مطية لهؤلاء الجهلة والمجرمين.. ربما تحتاج الدول العربية في هذه المرحلة أن تحذو حذو السلطنة في تقفي شرارات الفتنة ووأدها في مهدها. وأن لا تستصغر شيئاً «فما عظيم النار إلا من مستصغر الشرر» فالسلطنة ناجحة عملياً لا نظرياً ويكفي أنها الدولة الوحيدة التي لم تسمع يوماً بأن إرهابياً ينتمي لها فجر نفسه في بلد ما. ولم تسمع بانضواء احد أبنائها في داعش أو طالبان أو القاعدة.. فهي دولة تجيد تربية وتعليم أبنائها. وتجد مسارب جديدة دوماً للحفاظ على قيم الإسلام والتسامح . وتلتمس المخاطر وتجتث الأفكار المسمومة قبل أن تينع أو تتغول.