المأمول من "تنفيذ" مجتمعيا

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٥/ديسمبر/٢٠١٦ ٠٤:١٠ ص
المأمول من "تنفيذ" مجتمعيا

ناصر اليحمدي

بعد أن تعرض العالم للأزمة الاقتصادية المفاجئة التي هزت الأوساط المالية نتيجة انهيار أسعار النفط ظهرت الحاجة لضرورة عدم الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل فقد كان انخفاض أسعار البترول بمثابة جرس إنذار أفاق الدول النفطية من غفوتها ونبهها لأهمية تنويع مصادر الدخل والبحث عن بدائل تنهض بالاقتصاد الوطني وتحافظ على مستويات التنمية وتصل بها للهدف المنشود.
وبلادنا الحبيبة أدركت منذ بداية العهد الزاهر أهمية تنويع مصادر الدخل وأخذت على عاتقها النهوض بالقطاعات المختلفة التي تحقق إضافة للدخل الوطني وزاد هذا الاهتمام بعد انخفاض أسعار النفط حيث ركزت في خطتها الخمسية التاسعة على تسعة عشر قطاعا لتعزيز التنويع الاقتصادي كما أطلقت الحكومة البرنامج الوطني "تنفيذ" الذي يعنى ببحث آليات هذا التنويع وكيفية تنفيذها على أرض الواقع حتى تحقق الهدف المنشود.
ومؤخرا انطلقت مرحلة المشاركة المجتمعية للبرنامج الوطني "تنفيذ" عن طريق تنظيم معرض شامل للجمهور بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض تم فيه عرض مخرجات حلقات العمل "المختبرات" في مختلف قطاعات الخطة الخمسية التاسعة وتضمن المعرض 121 مبادرة في قطاعات الصناعات التحويلية والسياحة والمالية والتمويل المبتكر وسوق العمل والتشغيل والقطاع اللوجستي وجميعها مبادرات لو تم تنفيذها ستكون مكسبا للوطن وتعود على الجميع بالخير لأنها ستصبح قادرة على توليد إنفاق رأسمالي بأكير من 16 مليار ريـال.
لاشك أن الإقبال الكبير على معرض برنامج "تنفيذ" يجسد شعور المواطنين بالمسئولية تجاه وطنهم وضرورة الوقوف على قلب رجل واحد خلف القيادة الحكيمة لتخطي الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد في ظل انخفاض أسعار النفط خاصة أن المعرض أظهر تلاحم القطاعين الحكومي والخاص وسعيهما لتنفيذ شراكة واسعة تعود على المجتمع بالنماء والتقدم وتحقق تطلعات المواطنين.
إن الدولة دائما في حاجة ماسة للأفكار المتجددة التي تطور من المجتمع وتجعله مواكبا للمستجدات العالمية وتعينه على تخطي العقبات التي تقف حجر عثرة في طريق التنمية المستدامة .. والمبادرات الخلاقة التي ضمها معرض برنامج "تنفيذ" خطوة جيدة للوصول لأهداف خطة 2020 خاصة أنها راعت الشراكة المجتمعية للمواطن العادي حينما قام الزائرون بإبداء رأيهم من خلال استبيان يوضح رؤيتهم للمبادرات المقدمة واقتراحاتهم لإمكانية تطويرها وتقديم الأفضل بحيث تصبح شاملة وتحقق أقصى استفادة عند تنفيذها على أرض الواقع.
لاشك أن ما يزيد من حماسنا لتنفيذ مبادرات برنامج "تنفيذ" أنها من المتوقع أن توفر أكثر من 30 ألف فرصة عمل للعمانيين وهو ما يسهل بشكل كبير في حل مشكلة الباحثين عن عمل التي تضرب العالم أجمع .. كما أنها تساهم في منح الشباب الفرصة للنهوض بسوق العمل واستثمار المال والوقت والجهد بشكل جيد يعود على المجتمع بالنفع بعيدا عن الوقوف في طوابير انتظار الوظائف الحكومية .. والجميل أنها تزامنت مع مبادرة "تأسيس" التي تبنتها غرفة تجارة وصناعة عمان لإقامة 46 مشروعا تجاريا تقدمه مجموعة من كبرى شركات القطاع الخاص على مدى سنة كاملة بحيث يتم الإعلان عن عدد من الشركات كل ثلاثة أشهر لمن يرغب من الخريجين المقبلين على سوق العمل في تأسيس مشروعاتهم الخاصة وقد تم اعتماد مليون ريـال لإنشاء صندوق لدعم المبادرة .. وهذا التشجيع المستمر من الحكومة والقطاع الخاص لحث الشباب على خوض سوق العمل يعلي من شأن الوطن لأنه من المعروف أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي ينشئها الشباب لها دور كبير في النهوض بالاقتصاد الوطني يدل على ذلك نجاح معرض إبداعات عمانية في نسخته الرابعة الذي شاركت فيه أكثر من 90 شركة صغيرة ومتوسطة أظهرت مدى انتشار ثقافة ريادة الأعمال بين أبناء المجتمع.
إن الشعب العماني بأكمله يثمن الجهود التي يبذلها القائمون على برنامج "تنفيذ" لتعزيز التنويع الاقتصادي والارتقاء بالمستوى المالي للبلاد وتحقيق الرفاهية والرخاء للمواطنين فالمسئولية كبيرة والطريق طويل وشاق ويحتاج إلى تضافر كافة الجهود للخروج بالبلاد من الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر .. ونحن جميعا متفائلون ولدينا ثقة مطلقة في قيادتنا الحكيمة وحكومتنا الرشيدة في الأخذ بالبلاد إلى بر الأمان وسوف يتحقق التنويع المنشود والتنمية المستدامة التي تحافظ على مكانة السلطنة المرموقة .. وندعو الله أن يوفقهم إلى ما فيه خير البلاد والعباد وتحقق الخطة الخمسية التاسعة النجاح المنشود.

* * *
حماية التراث العربي واجب عالمي
من يتأمل واقع تراثنا العربي والإسلامي يجد أنه يتعرض لهجمة ممنهجة لتدميره ومحوه من الوجود .. فالتنظيمات المتشددة التي تنتشر في بعض البلدان العربية وتنشر فيها الإرهاب والفوضى استهدفت المناطق الأثرية والتراثية والثقافية وقامت بتشويه معالمها بل فجرتها بالعبوات الناسفة ودمرتها كما حدث مع تدمر في سوريا ونمرود في العراق .. وهو ما يجعلنا نتساءل ألا تعرف مثل هذه التنظيمات القيمة الحقيقية لهذا التراث ؟.
بالطبع هذه التنظيمات تعرف جيدا قيمتها بدليل أنها نهبت الكثير من تلك الآثار وقامت ببيعها للأجانب بأسعار باهظة وما لم تستطع بيعه مثل التماثيل الضخمة وأعمدة المعابد وغيرها قامت بتدميره وكأنها تسعى لطمس هويتها ومحو تاريخها مما يهدد بخطر فقد الهوية والانسلاخ من الخصوصية المميزة لأمتنا العربية.
ومؤخرا أطلقت دولة الإمارات الشقيقة وفرنسا شراكة دولية لحماية التراث الثقافي والإنساني في العالم المهدد من النزاعات المسلحة وذلك لحمايته من التهريب والإتجار به وتوفير ملاجئ للاستقباله في حالة أن الدولة المالكة له تخاف عليه من الاندثار والضياع وترميم المعالم الأثرية التي تعرضت للتخريب وهذا بالطبع أصبح مطلبا عالميا ملحا في ظل ما يتعرض له تراثنا من هجمة شرسة.
لقد هدفت الشراكة إلى تشكيل تحالف بين دول ومؤسسات عامة ومجموعات خاصة ومنظمات كبرى غير حكومية وخبراء للحفاظ على التراث الإنساني وهذا التحالف لا يقل أهمية عن التحالف العسكري أو السياسي .. فالحفاظ على التراث هو حفاظ على الهوية ويساوي في أهميته الحفاظ على العنصر البشري.
كما تقرر إنشاء صندوق دولي لحماية التراث المهدد وخصص له مبلغ 100 مليون دولار يستخدم في نقل وحماية وترميم المعالم الأثرية وتدريب أخصائيين لهذه الغاية وإنشاء ملاجئ لتلبية طلبات الدول الراغبة في حماية تراثها المهدد وهذا قرار إيجابي ومن الخطأ أن يعتقد البعض بأنه هناك قضايا إنسانية واجتماعية أخرى أولى بهذا المبلغ الكبير لأن قضية حماية التراث أصبحت من القضايا التي تحتاج لقرارات عاجلة قبل أن نفقدها إلى الأبد في ظل تنامي العنف والظلامية التي تستهدف تدميرها وبالتالي محو هويتنا العربية التي تميزنا والتي سنفقدها معها أيضا فالبعد الثقافي أثناء مواجهة الإرهاب لا يقل أهمية عن البعدين العسكري والسياسي.

* * *
آخر كلام
في الدنيا أشياء كثيرة لا يشتريها المال ولا تعوضها كل ثروات الأرض وفي مقدمتها الصحة والصداقة المخلصة وراحة القلب والضمير والكرامة.