
لميس ضيف
تُقاس الأهمية اليوم بالمال، بالشهرة، بالمنصب والمكانة الاجتماعية. فلاعب الكرة الذي يدور في فلك نفسه أهم من المعلِّم الذي يبذل ماء عينه لتطوير تلاميذه. ومتابعو شخصيات "إنستجرامية" لا تملك إلا الاستعراض والترويج لمنتجات تجميلية، يفوقون بأضعاف مضاعفة شخصيات مثل د.جاسم المطوع الذي يسخِّر نفسه منذ عشرين عاماً لرفع الثقافة الأسرية ولا زال يثابر، عبر حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، لتعليم الناس مبادئ حسن التربية. والابتهالات والاهتمام وأدعية الفرج التي نالها مطرب كسعد المجرد، المتهم بالاغتصاب في فرنسا، لم ينل معشارها سامي الحاج مراسل قناة الجزيرة، الذي نحل شبابه في "جوانتنامو"، ولا مروان البرغوثي، أشهر وأهم المعتقلين الفلسطينيين!
معايير العالم سطحية، وهناك أجيال تنشأ الآن على تبجيل التفاهة والسطحية، بل والانحلال الأخلاقي، وأكاد أجزم أن أكتاف أغلب القنوات الفضائية محمّلة بأوزار هذه النكسة. فقد روّجوا بلا كلل للتفسخ الأخلاقي تحت مسمى الحرية. ونقلوا سموم الشذوذ والبغاء لمجتمعاتنا المحافظة قطرة قطرة، مترجمة باللغة العربية. وبعد أن كان الأب يطلب من أبنائه غمض أعينهم إن مرّ مشهد حميم به قبلة بين البطل والبطلة. أصبح الأب هو من يغض بصره عندما تظهر مشاهد بملابس البحر أو بعري جزئي. نعم.. فالوالدان اللذان تربيا في زمن القيم عادة ما يكونان أكثر حياءً من أبنائهم الذين لم يخلعوا "مريول" المدرسة بعد!!
ماذا نفعل أمام أجيال تضيع وهوية تغسل بوسن الغيوم الملوثة بفضلات المجتمعات الأخرى؟
ماذا نفعل أمام مدّ شرس لا هوادة فيه، فإما إعلام منحل يريد للناس أن تأخذ من الغرب آفاته لا ميزاته، وإما إعلام متطرف ينمّي العداء والكراهية ويربي الرصاص في الصدور، لينطلق لاحقاً من فوهات الأسلحة في ساحات الوغى والصراع؟
قد يبدو ما أقول غريباً ولكني - للأمانة- أدعو الناس للعودة لقنواتهم الرسمية، فقد كنا في عصرها نأمن على أنفسنا من مسلسلات تروّج لزنى المحارم يتابعها الطفل كما يتابعها البالغ، كما وأدعو القنوات الرسمية - هي الأخرى- لإعادة اكتشاف نفسها ومواكبة العصر بذكاء.
والأهم من هذا وذاك على أولياء الأمور اليوم أن يدركوا أن تحدياتهم اليوم مضاعفة ومسؤوليتهم مضاعفة أيضاً. فتنشئة هذا الجيل كفاح، نعم كفاح. نسأل الله أن يكونوا قدر هذا التحدي في هذا الزمن الأغبر.