
احمد المرشد
يعلم الإنسان المصري البسيط أن بينه وبين النيل وحدة مصير مشترك، فهو ابن النيل الشرعي، فبشرته السمراء هي قطعة من طمي النيل منذ الأزل، ولكنه مع هذا يناجي النيل من يسير علي ضفتيه: يا أيها السائر علي ضفافي، أيها الغافل عن عظمتي ، أيها الشارب من مائي، أيها المنتظر لخيري، ما كنت أصلك اليوم هكذا وديعا رقراقا إلا بعد قصة صراع طويل بيني وبين أجدادك من المصريين البسطاء، لقد حاولوا كثيرا ترويضي أنا النهر البكر الناضج بالحياة.
وفي المقابل، وقف هذا الإنسان المصري لألاف السنين علي شاطئ النيل في أماكن مختلفة ليسأل نفسه :"ياتري من أين تأتي هذه المياه؟".. من بئر عميقة أم من جبل عال، أم من أمطار غزيرة..وهل هناك بشر مثله يتمتعون أيضا بخيرات هذا النهر ويعلمون أولادهم وزوجاتهم مدي أهمية الحفاظ علي النيل لاستمرار حضاراتهم.. الإجابة جاءت عبر استكشافات فرعونية كثيرة من خلال رحلات سجلتها كتابات محفورة في مقابر الفراعنة.
استمر حلم اكتشاف الشمال للجنوب يداعب خيال المصريين، فالنيل هو حياتهم وهم دائمو التفكير والتطلع لهذا المجهول بالنسبة لهم. ولهذا، اهتم محمد علي والي مصر بالاتجاه جنوبا وكانت تحدوه آمال عظيمة في اكتشاف أسرار النهر ومن أين يأتي. وساهمت مهمات وبعثات محمد علي في أن يشعرسكان كل دول النهر من المنبع وحتي المصب في أنهم بحاجة ماسة لتقارب إنساني وأنهم لابد أن يتجمعوا ويتحدثوا عن هذا النهر وكيف يحمونه ويتقاسمونه لخيرهم جميعا.
إنه نهر النيل، الذي يجد الإنسان في فجره وغروبه إنه أمام عظمة الخالق في خلقه، وعندما ينظر الإنسان الي لحظات شروق الشمس علي ضفافه، تنتابه مشاعر عشق وحب لمياهه الصافية، فشروق الشمس بعد لحظات من فجر يوم جديد، علي سطحه تبشر بقدوم نهار جديد، باستمرار الحياة التي هي جزءا من هذا النهر الخالد. أما غروب الشمس عن صفحة النيل، فيعني فرصة للعشاق للجوء إليه مهرولين ليبثوا بعضهم بعضهم كلمات العشق والهوي.
أنه نهر النيل، الذي تتلألأ مياهه مع اختلاف أوقات النهار، لتبدأ باللون الذهبي ثم تتحول الي الفضي، والبعض يراه بلون الطمي، حتي يأتيه بالليل ليتلون بالأضواء الساطعة من علي أجنابه في مشهد يشعر الجالس علي ضفتيه بأنه يعيش في الخيال . خيال يكسبه مذاقا خاصا بكل مدينة وقرية يمر بها النهر. وكما كانت كل مدنية تكتسي بلون مياهه، فقد ا ارتبط ارتباطا وثيقا بعادات و تقاليد و أساطير المصريين على مر العصور : الفرعونية و البطلمية و الرومانية و الاسلامية، ولهذا آلهم الشعراء و الأدباء و العشاق .
من يجلس علي ضفاف النيل تتجسده مشاعر روحانىة مما يبعث في قلبه الطمأنينة ، سواء جلس صباحا أم مساء، وقت فجر أو الغروب ، وقت الظهيرة أو عصرا، في يوم صيفي حار أم شتوي دافئ ، فلابد أن تتسرب السكينة لقلبه، خاصة عندما تسقط الشمس أشعتها علي مياهه الصافية فتجعل من المياه لونا ذهبيا متلألأ .
ولعلي وأنا اكتب عن النهر وسحره وصفائه، استشهد بما قاله غيري ومنهم الدكتور أحمد فنديس في " نهر النيـل .. بين الأغانى والأمانى "، فهو جمع تقريبا كل ما قيل عن النهر من أشعار وأغاني، حيث انسابت علي ضفاف نهر النيل الخالد أعذب الألحان المصاحبة لأرق الكلمات التى شكلت أجمل الأغنيات ومن أشهر ما لحن وغنى موسيقار الأجيال الراحل محمد عبد الوهاب تلك القصيدة الخالدة التى أبدعها الشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل وأعنى بها قصيدة" النهر الخالد " عندما قال "واهب الخلد للزمان وساقي الحب والأغاني".. هذا النيل الذي عرف بأنه أشهر "موصل جيد للحضارة" خاصة عندما يتحول إلى أجمل وأطول قيثارة تمتد بطول مصر لتسقي شعبها الفنان أحلي الأنغام، فهو دائما مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال .
حقا أبدع الدكتور الفنديس في " نهر النيـل .. بين الأغانى والأمانى "، خاصة عندما كتب يقول "وعلي مر الزمان يسافر النيل: من الجنوب إلي الشمال ومن السماء إلي الأرض ومن الأرض الي السماء يحمل في جعبته زاده الجميل المؤلف من السحر والعطر والظلال ، ففوق صفحته أودعت أم موسى عليه السلام وليدها الرضيع أمانة في عنقه فحافظ عليه حتى رده الله إليها.. وغير بعيد عن مياهه اجتمع السحرة ليتحدوا سيدنا موسي بسحرهم فغلبهم النبي أجمعين بأمر ربه .
يعجني جدا قول المصريين إن نهر النيل يحب بلدهم وهم أيضا يحبونه ويرتبطون به أكثر من حبه لأي بلد أو شعب آخر، بل أن النيل هو المدافع عن مصر والمصريين.
وعن الجغرافيا والمكان والقوة، نستعيد أبيات محمود حسن إسماعيل في رائعته "النهر الخالد"..فهو يخاطب المصريين وكل محبي النيل: "شابت علي أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال"، فالشاعر يلمس حقائق جغرافية وحضارية عديدة، فالليالي تشيب علي ضفاف النيل وهو أبدا فتى يافع فى عنفوان شبابه.. ليس الليالي فقط، ولكننا نري أيضا الجبال يضيع عمرها، هذا الكلام الرائع يرتبط بحقيقة جغرافية، فذرات تربة النيل الخصبة ما هي إلا نتائج تفتيت مياه الأمطار لصخور هضاب المنابع، تلك الصخور النارية في هضبة أثيوبيا التى تفتتها قطرات المطر لترسبها سهلا فياضا خصبا علي ضفافه الكريمة.
أما عن الحياة، فيصوره محمود حسن إسماعيل بقوله: "ولم يزل يسكن الديارَ و يسكب النور للحياري" ويقصد هنا أن النهر الخالد وهو يجرى في ديارنا فإنه ينير لنا حياتنا، هذه هي حقيقة ومجازا في نفس الوقت، لماذا؟.. فقط ولدت علي ضفافه أول حضارة في العالم أنارت الطريق لكل الحائرين بظهور أول الموحدين قبل الأديان السماوية وهو إخناتون .. وحديثا لأنه ينير الدنيا بالكهرباء المولدة من مياهه بعد اندفاعها من السد العالي.
لم يكتف الشاعر المصري بحديثه الحقيقي والمجازي كما سبق وأسلفنا عن نهر النيل، فيقترب وهو يجلس علي شاطئه أكثر وأكثر من النهر ليسمع ما بينه وبين الأشجار والأزهار من حوار وينقله لنا في رائعته الشعرية :" مسافرٌ زادهُ الخيالُ .. والسحرُ والعطرُ والظلالُظمآنُ والكأسُ في يديه .. والحب والفن والجمالُسمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيليسبح الطير أم يغنى و يسكب الحب للخليلوأغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل".. فالريح تستريح من طول سفرها بالاستلقاء علي أوراق النخيل العالي ، حتي تبوح بهمومها، فينصحها النخيل بالارتماء في أحضان النيل و بين أمواجه.. ثم يبدع الشاعر بتشبيهه أغصن الأشجار التى تميلها الريح ناحية المياه بصبايا يشربن من خمرة الأصيل، وهو المعنى ذاته الذي رددته "أم كلثوم" فى أغنية شمس الأصيل عندما غنت : "شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يا نيل تحفة ومتصورة في صحبتك يا جميل".. لقد دفعنا الربط بين كلمات "النهرالخالد" و"شمس الأصيل"الي الانتقال بسرعة الي ما كتبه بيرم التونسي وأنشدته أم كلثوم وهو ما يسمعه المصريون حتي يومنا هذا، حيث نادرا ما يسمعون "النهر الخالد" إلا في المناسبات.
إنه نهر النيل، ففيه جلسات الأحبة وركنهم الظليل علي شاطئيه، وبمائه يرتوي كل ظمآن، من ماء النهر ، الذي وصفه رسولنا الكريم بأنه النهر الظاهر وربما يفسر هذا مقولة المصريين "من يشرب من مائه يعود له مجددا" فمائه تنزل من السماء ، ولم لا، فمياه منابعه تتساقط من الجنان العلي .
كاتب بحريني