
محمود بن سعيد العوفي
بدأت السلطنة منذ بداية عصر النهضة المباركة بشق طريقها نحو التقدم والتطور والازدهار، بفضل القيادة الحكيمة لمولانا صاحب الجلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه-، لينعم المواطن العماني بكل أسباب الرفاهية والعيش الكريم بمنظور عصري مواكبا للحداثة ومؤطر بالعادات والتقاليد.
وقد تحقق لعمان اقتصاد متدرج حسب التوجهيات السامية، بدءا من المؤسسات الصغيرة ووصولا إلى الشركات الكبيرة، رافضة في ذلك الوقت مشاريع "الفيل الأبيض" تلك التي تجلب شعورا بالفخامة والفخر لدى متخذي القرار بسبب ضخامتها ومستوياتها التقنية وكلفتها لكنها تفتقر للجوانب التطبيقية ولا تحقق الأهداف المرجوة، وقد تحتاج لجدول زمني طويل للتنفيذ، وتستنزف مبالغ طائلة في صيانتها وإدارتها.
وبالتالي حرصت الحكومة منذ بزوغ فجر النهضة في العام 1970 على تنمية هذا الجانب الحيوي والمهم على تحقيق التنويع الاقتصادي في مجالات التجارة والاستثمار وتطوير الصناعة، وتنمية الصادرات غير النفطية، والاستغلال الأمثل لموارد البلاد التعدينية وغيرها من الموارد الطبيعية. ووضعت اعتباراً كافياً لمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية والتجاوب معها، وبشكل خاص المستجدات على الساحة التجارية والاستثمارية التي أطلقت عنانها العولمة.
وانطلق قطاع التجارة في البلاد في مراحله الأولى على طريق تحقيق أهدافه المرسومة في خطة التنمية، والمتمثلة بشكل رئيسي في زيادة مساهمته للاقتصاد الوطني، وذلك من خلال الارتقاء بكفاءة التجارة وتطويرها، ومعالجة أسباب القصور والعقبات التي تعترض مسارها، ومن خلال زيادة مساهمة العمانيين في النشاط التجاري.
وتبحث الخطة الخمسية التاسعة عن وسائل تمويل مبتكرة ومحاولة التقليل من التمويل التقليدي المعتمد على التمويل الحكومي بشكل أساسي، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في عملية التنمية في البلد والاستفادة من مشاريع البنية الأساسية المتكاملة والمساهمة في تمويل المشاريع الإنتاجية في السلطنة.
لقد شهدت سنوات النهضة المباركة نمواّ في الأنشطة التجارية، تمثل في ازدهار حركة التجارة الداخلية، ومضاعفة حجم الصادرات والواردات مع التحول النوعي في طبيعتها، وزيادة الاستثمارات الأجنبية. وقد صحب ذلك النمو نمواّ موازياً في عدد المؤسسات والشركات المسجلة والمكاتب المهنية، كما تبع تلك التطورات قيام شركات المساهمة العامة، ونشاط عمليات التداول في الأسهم.
ومن أبرز مؤشرات التجارة الخارجية للسلطنة، سجل الميزان التجاري فائضا بنهاية مايو 2016 بأكثر من 560.4 مليون ريال عماني وفقا لآخر البيانات الإحصائية، حيث بلغ إجمالي قيمة الصادرات السلعية للسلطنة بنهاية مايو 2016 ما قيمته 4 بلايين و23 مليونا و900 ألف ريال عماني بانخفاض نسبته 28.4 % مقارنة مع نفس الفترة من العام 2015 فيما بلغ إجمالي الصادرات السلعية للسلطنة وقتها 5 بلايين و622 مليونا و700 ألف ريال عماني.
كما سجلت الواردات السلعية انخفاضا نسبته 23.4 % لتبلغ بنهاية مايو 2016 ما قيمته 3 بلايين و463 مليونا و500 ألف ريال عماني مقارنة مع نفس الفترة من العام 2015 حيث سجلت 4 بلايين و522 مليونا و900 ألف ريال عماني.
وبلغت قيمة صادرات السلطنة من النفط والغاز بليونين و146 مليون ريال عماني بانخفاض نسبته 37.5 % عن نفس الفترة من العام 2015 والذي سجلت فيه 3 بلايين و430 مليونا و900 ألف ريال عماني، وبلغت قيمة الصادرات السلعية غير النفطية 985 مليونا و300 ألف ريال عماني.
ومن أجل مواكبة التطورات الحديثة في الساحة الاقتصادية وقعت السلطنة اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لتعزيز سياسات التحرير ودمج الاقتصاد العماني في الاقتصاد العالمي، وبالتالي تعد الولايات المتحدة الأمريكية من أهم الشركاء التجاريين للسلطنة فإن إزالة القيود التجارية معها بموجب هذه الاتفاقية بلا شك ستؤدي إلى المزيد من الاستقرار والتطور في التبادل التجاري بين البلدين وتعزيز فرص الاستثمار لكلا الجانبين، وتهدف إلى تحرير أكبر للسلع الوطنية المتبادلة بين البلدين سواء أكانت منتجات زراعية أو صناعية، وكذلك تحرير تجارة الخدمات، كما تتضمن مجالات التعاون في القضايا البيئية والعمالية، بالإضافة إلى الاستفادة من الإمكانيات الهائلة للولايات المتحدة في مجالات الاستثمارات والتكنولوجيا.
وخلال الخطط الخمسية الفائتة استثمرت الحكومة الكثير في مشاريع البنية الأساسية، وفي تهيئة الظروف المناسبة للاستثمار في العديد من المشاريع كالطرق والموانئ والمطارات، وعلى ذلك ركزت السلطنة في تطبيق التنمية الصناعية على تنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تسهم في تعويض الواردات، وبعض الصناعات التصديرية، خاصة تلك المعتمدة على الموارد المحلية، ومنذ بداية الدخول إلى ميدان الصناعة التحويلية، قامت الحكومة بتأسيس المناطق الصناعية المجهزة لاستقطاب الاستثمارات المتنوعة، بالإضافة إلى وضع القوانين التي تنظم الحوافز المختلفة للصناعات، وكان ثمة اهتمام خاص بأن تحقق الصناعات العمانية المستويات العالية من المواصفات والجودة، تضاهي الصناعات العالمية.
وتمضي السلطنة قدما وبخطى ثابتة وهي تحتفل بالعيد الوطني السادس والأربعين المجيد في تحقيق التنويع الاقتصادي في سبيل تنويع مصادر دخلها، وفق نهج وفكر قائد البلاد مولاي جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه-، مستفيدة من موقعها الجغرافي والبيئي بعيداً عن الاعتماد على قطاع النفط.