الاقتصاد المستقل المتطور

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٤/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
الاقتصاد المستقل المتطور

لورا تايسون

لم يَعُد العمل بدوام كامل لصالح صاحب عمل واحد المعيار المعمول به في الاقتصادات المتقدمة. فبدلا من ذلك، يبيع الملايين من "العمال المستقلين" -الذين يعملون لحسابهم الخاص، أو المستقلين، أو الموظفين المؤقتين- عملهم وخدماتهم ومنتجاتهم من خلال المنصات الرقمية لعدد كبير من أرباب العمل أو العملاء.
وتَعِد الحصة المتنامية من العمل المستقل، والذي ينطوي عادة على ساعات عمل مرنة، بجلب مكاسب اقتصادية كلية كبيرة، من خلال زيادة معدلات المشاركة في قوة العمل، وزيادة العدد الإجمالي من ساعات العمل، والحد من البطالة. ولكن "اقتصاد العمل المرن" يوجد أيضا تحديات جديدة معقدة في ما يتصل بالسياسات الضريبية، والتنظيم، والقدرة على الوصول إلى الفوائد والحماية الاجتماعية التي كانت تتوفر عادة من خلال العلاقة التقليدية بين صاحب العمل والموظف.
تشير دراسة أجراها معهد ماكينزي العالمي إلى أن ما يصل إلى 162 مليون شخص في مختلف أنحاء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي منخرطون حاليا في شكل من أشكال العمل المستقل. واستنادا إلى دراسة استقصائية تمثيلية على الإنترنت شملت 8000 عامل في ست دول (بما في ذلك الولايات المتحدة)، وجدت دراسة ماكينزي أن 10 % إلى 15 % -بما في ذلك الطلاب والمتقاعدون ومقدمو الرعاية المنزلية، وأولئك الذين يعملون في وظائف تقليدية- يمارسون مثل هذا النوع من العمل لتكميل دخلهم.
تتحدى النتائج التي توصلت إليها دراسة ماكينزي العديد من المعتقدات الشائعة حول العمل المستقل. فأولا، لا يهيمن الشباب على قوة العمل المستقلة: إذ يمثل من هم تحت سن 25 عاما 25 % فقط من العاملين المستقلين. كما تتنوع قوة العمل المستقلة أيضا من حيث مستويات الدخل، والتعليم، والجنس، والمهنة، والصناعة.
وعلاوة على ذلك، يمارس 70 % إلى 75% من العمال المستقلين أعمالهم باختيارهم، وليس بدافع الضرورة -وهو الاكتشاف الذي يتسق مع نتائج توصلت إليها دراسات أخرى حديثة. والواقع أنه برغم أن 40 % إلى 55 % من العاملين من ذوي الدخل المنخفض (الذين يكسبون 25 ألف دولار أمريكي أو أقل سنويا) يزاولون أعمالا مستقلة، فإنهم يمثلون أقل من 25 % من كل العمال المستقلين. وذَكَر نحو الثلث فقط من المستجيبين للاستطلاع أنهم يعتمدون على العمل المستقل لأنهم لا يستطيعون العثور على وظائف تقليدية أو لأنهم يحتاجون إلى دخل إضافي لتغطية نفقاتهم.
ولكن تظل الأقلية تشكل عددا كبيرا من الناس. فتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 مليون أمريكي وأوروبي يزاولون أعمالا مستقلة بدافع الضرورة، وأكثر من 20 مليونا يعتمدون على العمل المستقل باعتباره المصدر الأساسي للدخل. وأغلبهم من العمال من ذوي الدخل المنخفض الذين كانوا ليصبحوا لولا ذلك عاطلين عن العمل. ويشير هذا إلى أن النمو الاقتصادي الأقوى -وبالتالي نمو الوظائف- من شأنه أن يقلل من عدد العمال الذين يزاولون أعمالا مستقلة.
ولكن بصرف النظر عن ظروف الاقتصاد الكلي، من المرجح أن يمثل العمل المستقل حصة متزايدة من العمل في الأمد البعيد، وذلك نظرا للتقدم التكنولوجي والتفضيلات الفردية. ورغم أن منصات العمل المستقل الرقمية لا تزال في مراحل مبكرة من تطورها، ولا يستخدمها سوى 15 % من العمال المستقلين، فإنها تنتشر وتتوسع بسرعة. وتشير تقديرات دراسة ماكينزي إلى أن 30 % إلى 45% من السكان في سن العمل يفضلون كسب دخلهم، سواء كان أساسيا أو ثانويا، من العمل المستقل.
يفرض هذا الاتجاه تحديات ويقدم فرصا لصناع السياسات، والعمال، وأصحاب العمل. وينبغي لصناع السياسات أن يعكفوا على جمع بيانات أفضل عن قوة العمل المستقلة من خلال دراسات المسح المنتظمة. كما يتعين عليهم أن يعملوا على تحديث التصنيفات الفئوية للعمال المستقلين، من أجل تكييف الضرائب، والقواعد التنظيمية، والفوائد وسبل الحماية (بما في ذلك قوانين مكافحة التمييز والحد الأدنى للأجور) وفقا لذلك. ذلك أن قضايا السياسات العامة الخاصة بالمهنيين من ذوي المهارة العالية والذين يعملون كوكلاء مستقلين ليست هي ذات القضايا التي ترتبط بالعمال من ذوي المهارات المتدنية والذين يبيعون خدماتهم من خلال منصات رقمية ضخمة مثل أوبر.
ربما يمثل تحديث عملية توفير وتسليم الفوائد الاجتماعية تحديا بشكل خاص. وتتناول بعض الدول الأوروبية القضية من خلال إيجاد تصنيفات جديدة للعمل، في ظل أنظمة جديدة للفوائد الاجتماعية. فيميز القانون البريطاني بين الموظفين التقليديين و"العمال" الذين يستحقون بعض حقوق الموظفين فقط.

الرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة وأستاذة في كلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي وكبيرة المستشارين في مجموعة روك كريك