
أ.د. حسني نصر
من المؤكد أن الصدمة التي شعر بها العالم فور إعلان فوز مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأسبوع الفائت كانت كبيرة. ورغم اللغة الدبلوماسية التي حفلت بها برقيات التهاني والاتصالات الهاتفية التي انهالت علي الرئيس المنتخب من زعماء العالم، فإنها لم تستطع أن تخفي القلق الكبير من وصول الرجل إلى البيت الأبيض، وما يمكن أن يجره هذا الوصول على العالم من مشكلات يصل بعضها إلى حد الكوارث، على خلفية تصريحاته العنصرية المناهضة لشعوب وأمم وثقافات وأديان عديدة، أثناء حملته الانتخابية. الجديد في الأمر أن صدمة انتخاب ترامب لم تهز العالم فقط وإنما هزت أيضا قطاعات عديدة من الشعب الأمريكي لم تتوقع أن تكون أصواتها في الانتخابات هي من جاءت بترامب، ولذلك وربما للمرة الأولى خرجت مظاهرات في بعض المدن الأمريكية منددة بنتيجة الانتخابات ومناهضة للرئيس الذي لم يتسلم السلطة بعد.
في تقديري أن هذه الصدمة التي عبر عنها المتظاهرون في الشوارع وفي وسائل الإعلام الامريكية لا تتعلق بنتيجة الانتخابات فقط ولكن أيضا بالتغير الكبير الذي يشهده المجتمع الأمريكي، وهو التغير الذي دفع أعدادا كبيرة وغير متوقعة للتصويت لصالح ترامب، رغم أن كل المؤشرات واستطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات كانت كلها في غير صالحه. فعلي الرغم من خطابه العنصري الفاضح والاتهامات التي لاحقته سواء تلك المتصلة بتهربه من دفع الضرائب او المتصلة بوقائع تحرش جنسي، بالإضافة إلى انعدام خبرته السياسية، فانه نجح في الحصول على العدد الكافي من أصوات المجمع الانتخابي أهله للفوز. ولذلك كان السؤال الملح الذي أعقب إعلان فوزه هو هل تغيرت أمريكا والأمريكيون بهذا الشكل الكبير إلى حد اختيار رئيس يناقض كل المعايير الديمقراطية والإنسانية التي استقرت في الثقافة الامريكية منذ نشأة الدولة؟ وكيف يتم انتخاب شخص هدد قبل الانتخابات بأيام بتقويض أسس المجتمع الأمريكي المتعدد الأعراق والأديان وطرد الأقليات ومنع دخول المسلمين بالإضافة إلى تقويض أسس التداول السلمي للسلطة بعدم الاعتراف بالهزيمة في حال خسارته للانتخابات؟
الإجابة عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة الشائكة شغلت عددا كبيرا من كتاب الصحف الأمريكية الذين كانت صدمتهم أكبر، خاصة وأنهم، ومعهم كل وسائل الإعلام الأمريكية تقريبا، كانوا ضد ترامب على طول الخط منذ بداية ترشحه وحتى بعد انتخابه. الخطأ الأكبر الذي ارتكبته وسائل الإعلام الأمريكية في رأيي في حالة اليقين التي رسختها لدى الناخبين، وتبنيها خطاب إعلامي مضلل يقول إن ترامب خاسر لا محالة، وهي الحالة التي دفعت نصف الناخبين تقريبا إلى عدم الذهاب إلى مراكز الاقتراع اعتقادا منهم أن المسألة محسومة وان عدم تصويتهم لن يؤثر في النتيجة النهائية المؤكدة وهي فوز كلينتون. صحيح أن كلينتون تفوقت على ترامب في أصوات الناخبين بفارق يصل إلى مائتي ألف صوت، لكنها وبسبب تقاعس أعداد كبيرة من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم خسرت المجمع الانتخابي وخسرت الرئاسة.
الإعلام الأمريكي الذي كان سببا رئيسيا في فوز ترامب، هو نفسه الذي يطرح الآن الأسئلة ويحاول فهم وتبرير ما حدث، ووصل الحال ببعض كتابه وصحفه إلى اللقاء اللوم على الشعب الأمريكي الذي لا يعرفونه ولا يفهمونه. وعلى سبيل المثال وليس الحصر كانت صحيفة نيويورك تايمز أكثر من شعر بالصدمة، وعبرت عن ذلك فور ظهور نتيجة الانتخابات بالقول إن العديد من الأمريكيين يشعرون هذا الصباح بالألم، لان وطنهم الذي كانوا يعتقدون انهم يعرفونه يبدو انه لم يعد موجودا". ووصل الأمر ببعض كتاب الصحيفة الكبار إلى تهديد ترامب بالثورة عليه إذا لم يغير أسلوبه، إذ كتب روس دوثات يقول " يجب أن نأمل في أن يكون لدي ترامب الذكاء الكافي لكي يكون أكثر من مجرد مخرب، وأكثر من مجرد محرض ومثير للفتن والاضطرابات، وان يغير أسلوبه الفظ باي طريقة، وإذا تلاشي هذا الأمل فلن يكون أمامنا سوى البحث عن طرق لمقاومته". وبعد أن أكد على أن ليلة انتخاب ترامب كانت ليلة الصدمات المرعبة، تساءل الكاتب بول كروجمان عما إذا كان فوز ترامب بالرئاسة دليلا على أن أمريكا أصبحت دولة فاشلة. وأجاب "هذا صحيح، ولذلك فإن علينا أن ننهض ونبحث عن وسيلة لتصحيح الأمر".
والواقع أن حالة الصدمة الإعلامية الناجمة عن انتخاب ترامب لم تكن الأولي في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية. إذ يشير كاتب النيويورك تايمز كيفين كروس إلى مسؤولية وسائل الإعلام عن مثل هذه الصدمات الانتخابية من خلال مقارنة ما حدث في الانتخابات الحالية مع انتخابات عام 1948. ففي هذه الانتخابات توقع الجميع فوز المرشح الجمهوري توماس ديوي علي الرئيس الديمقراطي هاري ترومان، الذي كان يطلق عليه "رئيس الصدفة"، حتى أن معهد جالوب المتخصص في استطلاعات الرأي أوقف هذه الاستطلاعات قبل الانتخابات بشهر تقريبا على أساس أن السباق أصبح محسوما لصالح ديوي. وأجرت مجلة نيوزويك استطلاعا شمل خمسين من أكبر المحررين السياسيين أكدوا جميعهم فوز ديوي. وفي يوم الانتخابات استبقت صحيفة شيكاغو تربيون الشهيرة إعلان النتائج، وصدرت بعنوان عريض من ثلاث كلمات: "ديوي يهزم ترومان". رغم كل ذلك حصد ترومان 49.6% من أصوات الناخبين مقابل 45.1% لديوي، كما فاز في المجمع الانتخابي بـ 303 أصوات مقابل 189 لديوي. الطريف في هذه الانتخابات أن صحيفة واشنطن بوست دعت الرئيس ترومان في اليوم التالي للانتخابات إلى مأدبة غذاء جمعت فيها كل كتابها ومحرريها والمعلقين من محطات الراديو والقائمين على استطلاعات الرأي الذين توقعوا هزيمته، وأُعدت للرئيس ديك رومي مدخن، فيما ارتدي الصحفيون أثوابا من الخيش الأسود ووضعت أمامهم أطباق من الغربان، اعترافا منهم بالخطأ. ورغم أن ترومان رفض أن يأكل الصحفيون الغربان، فإن السؤال المهم هو، هل يعيد التاريخ نفسه، ويكفر الصحفيون عن أخطائهم بأكل الغربان في حضرة ترامب؟ والأهم، هل سيكون ترامب متسامحا معهم مثل ترومان أم أنه سيجبرهم بالفعل علي أكل الغربان؟
أكاديمي في جامعة السلطان قابوس