مخاوف مزيّفة تتلاعب بالمشاعر

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٣/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
مخاوف مزيّفة تتلاعب بالمشاعر

علي بن راشد المطاعني

هناك من يثير مخاوف المؤسسات الصغيرة من الرسوم التي تم فرضها على استقدام العمالة الوافدة، وما يثيره ما هو إلا خلطٌ للأوراق، وإثارةٌ للقلق المفتعل في السوق، دون دراية بماهية هذا القطاع ومن يسيطر عليه وكيفية إدارته، وكيفية معالجته بما يخدم فعلا أرباب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الممارسين من العمانيين، وليس أصحاب اللافتات المستترة، التي من الأهمية ترتيب أوضاعها، والحدّ من سيطرة القوى العاملة الوافدة من خلال إجراءات عديدة تفسح المجال أمام الشركات الجادة، وتزيح المتلاعبة التي أصبحت مكشوفة للعيان، ويئنّ منها المجتمع اقتصاديّا واجتماعيّا وثقافيّا، الأمر الذي يتطلب منا جميعا بلورة ماهية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى الدعم والمساندة أوّلا، وتحديد كيفية مساعدتها بعدم استغلالها من جانب الآخرين، إذا أردنا أن نصنّف المساندة التي يطالب بها البعض.
فالإحصائيات تشير إلى أن نصف القوى العاملة الوافدة التجارية، أي ما يزيد على 700 ألف وافد مقابل 9 آلاف مواطن فقط يعملون في أكثر من 150 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة في البلاد، معظم هذه الشركات عبارة عن تجارة مستترة لا يستفيد منها المواطن إلا الفتات للأسف، ويأتي رفع رسوم استقدام العمالة لكي يحد من التجارة المستترة ضمن إجراءات أخرى ينبغي أن تسن في الفترة المقبلة لتنظيم سوق العمل بشكل يتوافق مع المستجدات الاقتصادية والمتغيرات المحلية والإقليمية، ويرفع مستوى المنافسة للمواطن في سوق العمل.
فليس القصد من رفع الرسوم ماديا فقط كزيادة الإيرادات المالية للدولة بل إتاحة المجال للعمالة الوطنية أن تسبر أغوار هذا القطاع العريض من الاقتصاد، وحتى يحس أرباب العمل بأن جدوى تمكين المواطن أفضل من الوافد، إلا أنه كيف يمكن أن نسهم في زيادة نسبة التعمين في هذه الفئة من الشركات التي لا تزيد على 2 في المئة، إذا لم تتخذ مثل هذه الإجراءات وزيادة الرسوم ورفع تكاليف استقدام العمالة
الجانب الآخر الذي ينبغي أن نلتفت إليه، هو أن 150 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة أصحابها مواطنون يبحث أبناؤهم عن عمل في القطاعين العام والخاص، وهنا المفارقة الغريبة، ففي الوقت الذي نبحث عن فرص عمل لأبنائنا في قطاعات أخرى، نمكّن العمالة الوافدة من شركاتنا، غير واعين بما نمارسه من أخطاء فادحة في هذا الجانب.
إن شماعة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يتغنى بها البعض للتهرب من الالتزامات الوطنية مكشوفة، ولا ينبغي أن نزايد على دعم الدولة لهذه الفئات عبر برامج تمويل ليس لها مثيل في الكثير من الدول، ومن خلال جهات حكومية أصبحت مختصة في هذا المجال، ونحن ندعو لتمكين الجادين من رواد الأعمال في خضم المنافسة غير المتكافئة من العمالة الوافدة المتركزة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يتحدث عنها البعض وكأنها المفتاح السحري للاقتصاد، غير واعين بأنها هي المستنزف الأكبر للاقتصاد، ينبغي أن نبلور سياسات وإجراءات تتيح للشباب العماني تولي زمام هذه الشركات، وإيجاد كل السبل لهم لإدارتها وتوفير الحماية لهم من الأساليب غير المتوازنة في المنافسة في السوق.
إن العمالة الوافدة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يتحدث عنها البعض وكأنها المنقذ للاقتصاد عديمة التعلم والمهارات، فـ 90 في المئة منهم وفق الإحصائيات غير متعلمين، ودون مهارات، بل السلطنة أصبحت أشبه بمعاهد تدريب لهذه العمالة كغيرها من الدول المتقدمة، هذه حقيقة ينبغي أن لا نتوارى عنها وراء رخص العمالة المتدنية، والاستعاضة عنها بالآلات والتقنيات الحديثة في العمل في ظل التطورات التكنولوجية الذي يتطلب أن يكون الأساس في العمل في كل المجالات.
بالطبع التعميم ليس واردا في كل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإنما النسبة الأكبر المسيطرة عليها هي العمالة الوافدة التي تحتاج إلى تصحيح جذري يتيح المجال للجادة منها، و يضبط إيقاع غير الملتزمة، فلا مجال أكثر للمزيد من الترهل في إدارة هذا الجانب، وعلى الجميع أن يقبل الحلول التي ربما بعضها موجع لكن الأهداف أكبر وأعظم للوطن والمواطن. فالبعض لا يعلم الكثير من الخبايا التي تعلمها الجهات والبيانات والإحصائيات التي تفضح الممارسات، لذلك لا ينبغي أن نتعاطف دون أدلة أو بيانات مع ممن يعثون في سوق العمل، ويؤثرون على تنظيمه.
نأمل أن لا يكون البعض أبواقا للعمالة الوافدة مدافعين عن مصالح آنية بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع، فالوطن والمواطن أحق بأي فرصة أو أي زيادة في الرسوم تعود عليهم بخدمات أخرى أولى بالرعاية والاهتمام كالصحة والتعليم وغيرها من القطاعات التنموية.