عيسى المسعودي
من نافذة مكتبي بمنطقة العرفان بمحافظة مسقط أتابع يومياً مشهد العمّال الذين ينفذون مشروع الطريق والجسر الذي يربط المطار بالمنطقة، هذا المشروع الذي يمثل أحد المشاريع المهمة التي تُنفذ بالمنطقة سيكمل عامة الثاني قريباً، وحتى الآن لم ينتهِ العمل به ولم تقم الجهة المسؤولة عن تنفيذه بالإعلان عن موعد افتتاحه بل تكتفي هذه الجهة بالحديث بين فترة وأخرى عن نسبة إنجاز العمل بالمشروع أو الإعلان لمستخدمي الطريق عن التحويلات أو فتح أو إغلاق الطريق في بعض أجزائه، وبالتالي علينا الانتظار حتى يتم افتتاحه فجأة، وللأسف هذه السياسة الإعلامية في الإفصاح عن تنفيذ المشاريع تقوم بها أغلب المؤسسات والشركات فهم يركزون ويطبلون فقط على مرحلة الإعلان عن طرح المناقصة أو إطلاق المشروع ولا يهتمون أو يركزون على المراحل الأخرى المتعلقة بمتابعة تنفيذ المشروع أو الاهتمام بالفترة المحدد لتنفيذه وافتتاحه، ويمكن قياس هذا المشروع بالمشاريع الأخرى التي يتم تنفيذها بالسلطنة بدءا من المشاريع الصغيرة ومروراً بالمشاريع المتوسطة أو الكبيرة، فأغلب مشاريعنا سواء في الطرق أو الكهرباء أو المياه أو الصحة أو التعليم والمشاريع الخدمية والمشاريع الاستثمارية والتجارية أو غيرها من المشاريع في مختلف المجالات والقطاعات، تتأخر وتأخذ فترة طويلة غير معقولة ولا مقبولة في تنفيذها، فبينما نتابع ونسمع في دول أخرى عن تنفيذ مشاريع كبرى في فترة قياسية نجد مشاريعنا حتى لو كانت صغيرة تأخذ فترة طويلة في تنفيذها، والأمثلة عديدة.. فما هو السبب في هذا التأخير؟ ومن هي الجهة المسؤولة عنه؟
مجلس المناقصات وهي الجهة المسؤولة عن طرح وإسناد أغلب المشاريع التنموية وغيرها من المشاريع الأخرى، أعلن قبل فترة أن المجلس غير مسؤول عن متابعة تنفيذ أو تأخير المشاريع وإنما هذه المسؤولية تتكفل بها الوحدة الحكومية التي يعود لها المشروع وأعتقد أن هذا الإجراء قديم ولا زلنا مستمرين فيه رغم كافة المتغيّرات والنقد الذي يطال تنفيذ المشاريع، وقد حان الوقت لتغييره بحيث على الأقل يكون هناك فريق مشترك مشكل من المجلس والوحدة الحكومية لمتابعة كافة خطوات المشروع بدءا من طرح المناقصة وحتى انتهاء تنفيذ المشروع، كذلك يجب على مجلس المناقصات وضع لوائح ومعايير جديدة تتواكب مع المرحلة الحالية والمستقبلية لضمان تنفيذ المشاريع ليس فقط من حيث الجودة وإنما أيضاً من حيث الفترة المحددة للانتهاء من المشروع وذلك من خلال تقييم عملي لفترة إنجاز المشروع وأخذ تجارب الدول الأخرى بعين الاعتبار، فلا يُعقل مشروع إنشاء طريق لا يتجاوز بعض الكيلومترات أو إنشاء جسر يحتاج لفترات طويلة تتجاوز في بعض الأحيان العام أو العامين، فهذه الأمور لها تأثير اقتصادي واجتماعي، كما أنها تؤثر على تطور التنمية الشاملة في البلاد، كذلك على مجلس المناقصات إعادة تقييم غرامات التأخير ومدى التزام الشركات والمؤسسات بإنجاز المشروع حسب الفترة المحددة، فكل هذه الأمور وغيرها يجب وضعها في شروط المناقصات مع التأكيد على أن تكون المتابعة فيما يتعلق بتنفيذ المشاريع ليست حصرية على الوحدة الحكومية وإنما على مجلس المناقصات أن يكون له دور في هذا الموضوع بحيث لا تترك هذه المشاريع بدون رقيب ولا حسيب خاصة وأن مجلس المناقصات يفترض أن يكون إحدى الجهات الرقابية المحايدة في تنفيذ المشاريع التنموية أو غيرها من المشاريع.
أتذكر قبل عامين من الآن وأثناء الحديث مع أحد المسؤولين من المهندسين المعنيين في تنفيذ المشاريع، قال لي إن الشركات لا يهمها إذا تأخر المشروع؛ فالشركات مستعدة لدفع الغرامات لأنها مبالغ رمزية ولا تشكل ضغطاً على الشركات، ففي بعض المشاريع الغرامات لا تتجاوز 10 ريالات أو 20 ريالاً لليوم وهذا يعني أن نسبة أرباح الشركة من المشروع كبيرة والغرامات إذا تم دفعها لن تؤثر إلا على نسبة بسيطة من الأرباح، وبالتالي تجد أغلب الشركات تأخذ مشاريع متعددة وفي أماكن مختلفة حتى لو لم يكن باستطاعتها تنفيذ المشروع في وقته المحدد، فالشركات تظل تحقق أرباحا في كل الظروف وليس هذا فقط بل أحيانا بعض الوحدات الحكومية التي يترأسها مسؤولون (طيبون) تعطي الشركات وخاصة المحلية، فترة سماح لأسباب عديدة مما يتسبب ذلك في تأخير المشاريع ودون مبالاة بتداعيات وتأثير ذلك على تقدم وتطور التنمية أو سمعة السلطنة في هذا المجال، وهذا ما يجعلنا دائماً نكرر ونطالب بضرورة المراقبة والمحاسبة من الجهات المسؤولة، كما تؤكد مثل هذه التصرفات والإجراءات ضرورة أن يلعب مجلس المناقصات دوراً أكبر في مجال تنفيذ المشاريع ومتابعتها.
لكن في المقابل علينا الإنصاف والاعتراف أن الشركات والمؤسسات تواجه تحديات خاصة في الوقت الحالي، تتمثل في تأثير الظروف الاقتصادية المتقلبة وأيضا الإجراءات الحكومية المتعلقة بتوفير الأيدي العاملة، فهناك العديد من الشركات ورجال الأعمال تحدثوا في كثير من المناسبات عن المعاناة التي يواجهوها في الحصول أولاً على القوى العاملة وما يتبعها من اشتراطات وتعهدات وإجراءات وتعقيدات في بعض الأحيان، وثانياً الحصول على الموافقات الحكومية المتعددة لتنفيذ المشاريع رغم أنها مشاريع حكومية، وثالثاً والمهم التأخير الكبير من قِبل الحكومة في دفع المستحقات المالية المتعلقة بمناقصات المشاريع، كل هذه الأمور وغيرها بلا شك لها تأثير كبير على الشركات وعلى تنفيذ المشاريع، فإذا كانت الحكومة (وأقصد هنا الجهات المعنية) تتأخر بنفسها في دفع المستحقات دون أن يستطيع أحد أن يحاسبها أو يتحدث معها خاصة في هذا الوقت، فكيف ستستطيع الشركات الالتزام بتنفيذ المشاريع في وقتها المحدد وهي تعاني وتواجه كل هذه الصعوبات والتحديات، كذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت تعاني أكثر وأكثر فيما يتعلق بالحصول على المستحقات، حيث كما يعلم الجميع أن هناك العديد من المشاريع تُنفذ من خلال إعطاء بعض الأعمال من الباطن لمؤسسات صغيرة ومتوسطة وبالتالي هذه المؤسسات عليها التزامات مالية وليست لها القدرة في التحمّل والانتظار لفترة قد تتجاوز في بعض الأحيان الستة أشهر، لذلك أعتقد أن المسؤول عن تأخير تنفيذ المشاريع ليس طرفا واحدا أو جهة واحدة وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الشركات والمؤسسات الحكومية المعنية وعلى الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها وتحاول بكل الطرق أن تضمن دوران الحركة الاقتصادية والتجارية لكافة القطاعات وأن تحاول التقليل من التأثير قدر الإمكان والحرص على متابعة تنفيذ المشاريع حتى تتواصل التنمية بدون توقف أو تأخير.