أب لـ 33 طفلاً..

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٩/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٥ ص
أب لـ 33 طفلاً..

لميس ضيف
lameesdhaif@gmail.com

لأن "الإنسانية" صارت عملةً نادرة، ولأن الحروب والصراعات عرت الجوهر المتوحش لمن كنا نخالهم بشراً، بدا "هشام الذهبي" الشاب العراقي ذو ال27 عاماً أجمل أهل الأرض في عينيّ.
فحقيقة أنه قد تبني 33 يتيما تحت سقفه، وأقسم على تعويضهم عن حنان الأبوين بعطفه واهتمامه حتى يبلغوا أشدهم، بطولة حقيقية في عصر البطولات الورقية، ومن يسمع كيف يدير يومياته معهم، يقرأ لهم حكايا مخضبة بالحكمة قبل النوم وينمي مهاراتهم باكتشاف مواهبهم وصقلها، ولا ينام إلا بعد أن يطمئن على أحوالهم جميعا، يرى فيه روح أم نذرت حياتها لأطفالها -وأقول أما لا أبا- لأن مثل هذه الطاقة على العطاء قلما تُوجد في رجل.
بدأت رحلة هشام، الذي كان يعمل مع منظمة معنية بحماية الأطفال، عندما قررت المنظمة غلق أبوابها وتسليم الأيتام للحكومة، بكى الأطفال وأعاد مشهد انهيار الجمعية في أذهانهم مشهد الضياع بعد والديهم، ولأن هشام خشي عليهم من الإهمال والضياع، ورحم الدموع الكسيرة التي سالت على وجناتهم، عرض تبنيهم جميعا، و وقع وثائق تسلمه لهذه التركة الثقيلة، ونقول ثقيلة لا بسبب العدد فحسب، بل لأن أغلبهم يعاني من الاكتئاب والعزلة، وكيف لا؟ وبعضهم رأى الروح وهي تفارق جسد أمه وأبيه، وبعضهم تشتت عن منطقته وباقي أفراد أسرته، معاناة لونها أحمر، بلون الدم الذي يسيل في حروب العراق الجريحة التي لم يتوقف نزفها منذ عشرات السنين.
ولأن الله يغلق بابا فيفتح أبوابا، زرع في قلب هذا الشاب محبة هؤلاء الصغار الذين وفر لهم أنشطة تنسيهم الفقد والشقاء، ففي المبنى الذي اكتراه في شارع فلسطين هناك غرف لتعليم الرسم والحاسوب والخياطة والطبخ والأعمال اليدوية والموسيقى.
ويتباهى هشام بمنتجات أطفاله ويعلقها على الجدران، تلك التي باتت تستقبل الراغبين في متابعة أعمال هؤلاء الصغار.
ورغم ما يبذله، لم يكن هشام طالب شهرة، ولم يعرف أحد عنه لسنوات، حتى سمع به المخرج السينمائي محمد الدراجي الذي أنتج عن داره فيلماً سماه "في أحضان أمي" حصد 18 جائزة عالمية.
ولازال شاب كالذهبي مجهولا بالنسبة لكثير من أهل مدينته -لا العالم العربي فحسب- في حين أن أسماء الإرهابيين العتاة تتردد في أدبياتنا ووسائل إعلامنا يوميا، في الوقت الذي نحن بحاجة فيه لنماذج ملهمة، نماذج بطولية، تعيد ثقتنا بالعالم، وبأنفسنا.