روسيا :عنفوان الماضي

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٩/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٠ ص
روسيا :عنفوان الماضي

ديفيد إجناتيوس

سيواجه الرئيس الأمريكي المقبل روسيا المكلومة التي يمثل سلوكها في ركوب المخاطر تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين قلقا متزايدا للخبراء في الولايات المتحدة.
إن روسيا اليوم، العنيدة الانتهازية، تمثل ظاهرة متناقضة: فاستنادا إلى معظم المقاييس، هي دولة في حالة انهيار، مع تراجع الاقتصاد وتخلف قاعدة التكنولوجيا وانكماش عدد السكان. والفساد ينتشر في جميع القطاعات تقريبا. ومازال انهيار الاتحاد السوفييتي جرحا مفتوحا، ويلقي كثير من الروس باللوم على الولايات المتحدة في استغلالهم خلال هذه سنوات الانهيار الراهنة.
بيد أن هذه روسيا الضعيفة داخليا تظهر غرورا كغرور مقاتل الشوارع. فهي تشن حروبا في سوريا وأوكرانيا وفي الفضاء الإلكتروني مع ازدراء ظاهر لقوة الولايات المتحدة الأمريكية. ووفقا لمدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر، سعى قراصنة الإنترنت الروس إلى "التدخل في العملية الانتخابية الأمريكية" على أعلى مستوى في الحكومة الروسية.
قال ديمتري سايمز، رئيس مركز نيكسون: لقد تطور تعريف بوتين لركوب المخاطر في اتجاه مزيد من الجرأة وقدر أقل من الانتباه لكيف تؤثر هذه الجرأة على الولايات المتحدة. إن بوتين يعتقد أن الحوافز الإيجابية الأمريكية تكاد تكون معدومة وأن العقوبات في حدها الأدنى وسيتم فرضها في كل الأحوال".
يتعين على الرئيس المقبل تقييم كيفية تغيير سلوك روسيا بدون مواجهة عسكرية مباشرة. فهل يكون أفضل وسيلة للقيام بذلك هي من خلال عقد الصفقات مع بوتين كما يفترض دونالد ترامب؟ أم هل بنبغي أن تكون عملية أكثر حزما لتأكيد قوة الولايات المتحدة ومصالحها، كما تجادل هيلاري كلينتون؟ ربما يكون هذا هو أكبر قضية أمن قومي في هذه الانتخابات.
ينبغي أن تبدأ الاستراتيجية المستقبلية للولايات المتحدة بفهم واضح لكيف ينظر كريملين بوتين إلى العالم. وهنا، يقدم كبار المحللين الأمريكيين بعض التحذيرات المثيرة للقلق. إن موسكو ترى نفسها أنها الطرف الجريح، حيث تقاتل مرة أخرى بعد عقود من الهيمنة الأمريكية. ويقوم بوتين، الضابط الأسبق في المخابرات السوفيتية، بتحويل أدوات التخريب السري والمعلومات السرية التي تم تطويرها أثناء الحرب الباردة ضد الولايات المتحدة مرة أخرى.
كتب محلل الأمن القومي جيمس لودز في تدوينة بمدونة "حرب على الصخور" بعنوان "الروس يقرأون قواعد لعبة الحرب الباردة التي نمارسها" قائلا: "لا يبدو أن الدليل يفترض أن بوتين يفضل أحد المرشحين على الآخر في هذه الانتخابات، بل إن الدليل يفترض أنه يفضل الفوضى. إنه يريد أن تظهر العملية السياسية الأمريكية بمظهر سيء." وتشمل موضوعات موسكو الدعائية الجديدة مراقبة الحكومة الأمريكية والفساد السياسي الذي يفيد النخب وتزوير الانتخابات، كما يجادل لودز.
إن استراتيجية روسيا تتسم بأنها "حرب هجينة"، ولكن المؤرخ أنجوس جولدبرج يورد في مجلة "الحروب الصغيرة" أن المصطلح الأفضل هو الكلمة الروسية " bespredel" التي تعني "غياب الحدود" أو "كل شيء مباح". وكثيرا ما تستخدم هذه الكلمة لوصف سلوك القلة الفاسدة التي ازدهرت في روسيا بوتين.
وتتنوع أسلحة موسكو الجديدة عبر طيف من القوتين الصلبة والناعمة، العلنية والسرية. كتب جولدبرج: "إنا ما يربط هذه الأسلحة معا كنظام متماسك هو استعداد الاتحاد الروسي لتنفيذها بدون أي قيود".
وبوتين نفسه يظهر مجموعة غير عادية من السمات الشخصية. "فهو يستطيع أن يكون عاطفيا، عنيدا، بل وحتى متهورا،" كما يجادل ستيفن سيستانوفيتش، الخبير في شؤون روسيا في جامعة كولومبيا. ولكن بوتين أيضا يقدر الأمور قدرها. "هناك مقولة تنتشر بين الروس: عليك بالقياس سبع مرات، والقطع مرة واحدة فقط. وبوتين هو هذا النوع من الأشخاص الحذرين".
على مدى السنوات القليلة الفائتة، زاد تحمل بوتين للمخاطر. يقول سيستانوفيتش: "في تاريخ الحرب الباردة، لم يفعل الروس أي شيء عن بعد مثل تدخلهم في سوريا". إن موسكو تقدر أن "خطر دفع الثمن هو اقل مما اعتاد أن يكون من قبل".
كما أن سلوك بوتين يشكله أيضا الصعود المتزايد للمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين في دائرته الداخلية. فمثل بوتين، هؤلاء جميعا هون من قدامى المسؤولين إبان الحرب الباردة ويحدوهم شعور بالظلم ضد الولايات المتحدة. وقد وصف أحد مسؤول روسي مطلع مؤخرا لسايمز نظرة هؤلاء المسؤولين بالكريملين تجاه العالم: "نحن محاصرون، وأمريكا تريد تدميرنا. والشيء الوحيد الذي يفهمه الأمريكيون هو القوة".
إذن، لنرجع إلى سؤال يوم الانتخابات: أي منهج في التعامل مع روسيا التهديدية الجديدة هو الأكثر منطقية؟ يخشى كثير من المحللين من أن كلمات ترامب الاسترضائية يمكن أن تُقرأ في موسكو على أنها مؤشر على إنهاك الولايات المتحدة وتغذي بذلك مطالب جديدة. قال خبير الأمن السيبراني ديمتري ألبيروفيتش إنه إن لم يتم ردع التدخل السري من موسكو، فإنها "ستلعب نفس اللعبة مرارا وتكرارا في جميع أنحاء العالم".
إن موقف كلينتون المتشدد يبدو هو الوسيلة الأفضل لحماية مصالح الولايات المتحدة، طالما أنها لا تجعل بوتين يشعر بالمهانة أو التهميش. إن روسيا الراهنة أضعف مما تبدو عليه، ولكنها جريحة بسبب التاريخ الحديث، وهي على أتم الاستعداد للتصرف بكل طيش واندفاع.

كاتب عمود متخصص في الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست