احتكار الثروة ومعضلة التنمية

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٣/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٠ ص
احتكار الثروة ومعضلة التنمية

محمد محفوظ العارضي

بعد أزمة 1929 أو ما عُرف بالركود الكبير، تبنى الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" مجموعة من البرامج الخاصة بالسياسات المالية وإعادة هيكلة الاقتصاد والتي سميت آنذاك بسياسات العهد الجديد.
كان الهدف من هذا العهد "الجديد" الذي وُصف من قبل منظرّي الليبرالية الاقتصادية في حينه، بالمركزية والتطرفالعودة بالوضع للحالة التي سبقت الأزمة، أي أن لا جديد حملته سياسات العهد الجديد سوى إعادة إنتاج الظروف القديمة بشكل جيدد، وربما هذا ما يفسر استيطان الأزمات للأسواق الغربية حتى هذا اليوم.
يجب الانتباه هنا لمسألة غاية في الأهمية، وهي أنهحتى العودة للمرحلة التي أسست للأزمة، لم تحظ بقبول الممسكين بزمام المبادرة الاقتصادية، على الرغم من أن هذه العودة بمثابة استعادتهم للميزات التي ملكوها في السابق. السبب وراء هذا الموقف من سياسات "روزفلت"، هو الرفض المطلق من قبل القطاع الخاص لتدخل الدولة في إعادة هيكلة وتنظيم الاقتصاد، لأن هذا التدخل سيؤثر سلباً على قوة الشركات الكبرى التي احتكرت السوق الأمريكية وأوصلتها للأزمة.
لقد عبرت هذه المرحلة التاريخية التي مرت بها أسواق المال الغربية، عن الشكل التقليدي للصراع بين السلطة والسياسة، هذا الصراع الذي تطور ليتخذ شكل علاقة ممنوعة من العشق بين الطرفين، أفقدت السياسة مصداقيتها، وأفقدت الاقتصاد شفافيته، ولم تلبث هذه العلاقة مع الوقت أن استقرت بهمينة الاقتصاد على السياسة والمؤسسة الرسمية وحتى على النظم والقوانين والتشرعيات.
لقد ترجم خطاب ايزنهاور التاريخي الذي ألقاه عام 1953، حالة مخيفة من اليأس، ولم يحمل أي دلالة على أن هذا الرجل رئيس لدولة كبرى تتحكم في اقتصادها وتسيطر على توجهاته، بل أن كل من يقرأ هذا الخطاب يشعر للحظات أن "أيزنهاور" ليس سوى عامل في مصنع أو منجم، يقف عاجزاً أمام سطوة الاقتصاديين ليطالب بالحد الأدنى من حقوقه. لنتأمل كلمات أيزنهاور عندما قال :
" كل بندقية يتم صنعها ، وكل سفينة حربية تدشن ، وكل صاروخ يطلق ، هو بمعناه النهائي سرقة من الجياع الذين يشتهون اللقمة ، ومن المتجمدين بردا ، ولا ثوب يدفئ أجسادهن ، عالم صناعة السلاح لا ينفق المال فقط هو ينفق عرق عماله وعبقرية علمائه وآمال أطفاله..هذا ليس سبيل للحياة بالمعنى الحقيقي".
نعم، نتفق معه أنه ليس سبيلاً للحياة بالمعنى الحقيقي، لكن إذا كان الرئيس القائد الأعلى للجيش الذي يخوض هذه الحروب، ينتقد سياسات الحرب ونتائجها، فمن الذي يقود الحرب إذاً؟ أليس هذا دليل على مدى هيمنة الاحتكارات الاقتصادية على هرم هذه الدولة الكبرى وعلى قراراتها المصيرية؟
لقد انسحبت هذه المعادلة على الجزء الأكبر من أسواق العالم وبشكل خاص تلك التي رأت في التجربة الغربية نموذجاً مهيمناً لا فكاك معه، فنشأ منذ ذلك الوقت تقسيم جديد للعالم ليس بين شمال غني وجنوب فقير فقط، بل بين مركز مهمين وأطراف خاضعة، بين قلة تمتلك كل شيء وأغلبية لا تملك من وسائل الانتاج غير جهدها وعرقها وبؤسها الذي يتجدد مع كل نجاح جديد للشركات متعددة الجنسيات في احتكار الثروة ومفاتيح السوق.
يحضرني هنا تقرير منظمة "أوكسفام" الأخير عن حالة الفقر في العالم، هذه المنظمة تعلن أن62 رجلاً يملكون نصف ثروة العالم. 62 رجلاً يملكون ما لايملكه 3,5 مليار إنسان، ثم نشتكي بعد ذلك من التفاوت الاجتماعي وتباطؤ النمو وتزايد الفقر والبطالة. المنظمة ذاتها تقول إن ثروة 100 رجل فقط كافية للقضاء أربعمرات على الفقر في العالم ، أي أن ربع ثروتهم سيلغي ظاهرة الفقر بالمطلق.
نحن ذاهبون باتجاه حالة أفظع من هذه إذا بقيت الاحتكارات الاقتصادية الكبرى كيانات مستقلة بذاتها ولذاتها. لقد تفكك العقد الاجتماعي القديم، ولم يعد الشعب مصدر السلطات، أصبحت الأقلية المهيمنة التي تتحرك في فضاء بمعزل عن مصالح الدول والمجتمعات كأنها كيانات موازية ، مصدر السطات والتشريعات والقوانين جميعها.
بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، رفضت كبريات الشركات الأميركية دفع مستحقاتها من الضرائب، وهربت برؤوس أموالها للملاذات الضريبية المنتشرة في العالم كأنها منتجعات للنقاهة في عالم معتل.
ما يهمني كعربي في هذه القراءة المقتضبة والمكثفة لمسيرة الهيمنة على ثروات الكون، هو أن نصرح بما لا نريده من نتائج قد تتمخض عن خطأ هنا وهناك في سياساتنا التنموية المستقبلية. نحن لا نزال في طور سابق لهذه الحالة التي استعرضتها. لا تزال للدولة هيبتها ودورها في عملية رسم مسارها الاقتصادي، ولا يزال للمجتمع المدني بمنظماته ومثقفيه حضوره المؤثر في رسم هذه السياسات.لا يزال للأخلاق والقيم الجماعية العربية مكانها في أروقة السياسة والاقتصاد... ولا تزال الفردية والأنانية منبوذة ومدانة، سواء فردية الإنسان أو فردية المؤسسة. وهذا هو المغزى، أي أن يكون الاقتصاد كمنظومة جزءاً من الكينونة الجماعية التي تشمل الدولة والمجتمع والشركة والمؤسسة في إطار واحد تتقاطع مصالحه ولا تتعارض.
إن الحكمة هي نتاج القراءة النقدية للتاريخ. وهذه الحكمة تقتضي منا كعرب أن نستعرض تاريخنا الحديث بحكمة وشجاعة، وأن نسأل أنفسنا: ماذا لو تعاملنا مع طفرة النفط منذ بداياتها بشكل مختلف؟ ماذا لو وسعنا قاعدتنا الانتاجية مستفيدين من تدفقات السيولة مقابل النفط؟ ماذا لو رشّدنا استهلاكنا عندما كنا في حالة الوفرة؟ ماذا لو استثمرنا في مواردنا البشرية وطاقاتنا الاجتماعية الانتاجية قبل عشر سنوات من الآن؟ ماذا لو أسسنا سوقنا العربية المشتركة، ننتج أكثر مما نستهلك ونستدخل من الثروات أكثر مما نفقد؟
هذه الأسئلة ليست تعبيراً عن ندم ويأس كما جاء في خطاب أيزنهاور، وقد تكون الإجابة عليها مدخلاً تنموياً عربياً شاملاً. لا غنى عن مساءلة الماضي لاستخلاص حاضر ومستقبل مغاير. نحن اليوم في مرحلة مخاض اقتصادي اجتماعي ثقافي بالمطلق. ما كان سائداً بالأمس لن يصلح لليوم أو الغد.. لكني على ثقة أن تجربة الأمس ستمنحنا المعرفة اللازمة والخبرة الكافية لوضع أسس مستقبلنا بما يليق بنا وبشعوبنا.

رئيس مجلس إدارة البنك الوطني العماني