
سمعان كرم
ان قرارات " تنفيذ" التي جاءت بعد ستة اسابيع من العمل في المختبرات هي عُمانية بإمتياز حتى وان كان غلافها من ماليزيا، اذ لم يكن دور الخبراء في المرة هذه ان يأتوا بنصائحهم وارشاداتهم وفلسفتهم وتقاريرهم كما جرت العادة، بل كان دورهم تفعيل عقول المشاركين وتنظيم الحوارات وتوزيع العمل ورسم الاستنتاجات وتفاعل المختبرات مع بعضها البعض دونما التأثير على افكار المتحاورين النابعة عن تجاربهم الشخصية ونظرتهم للمستقبل. وبعد ايام طويلة من البحث والتداول والنقاش المستفيض تحققنا من امور عديدة لم نعهدها من قبل وعشنا تجربة غنية بالدروس والملاحظات.
يأتي في طليعتها اكتشاف المواهب العُمانية الفتية التي برزت في المجموعات الخمس. ففي كل مجموعة قام شبابٌ وشاباتٌ يتكلمون بمعرفة وثقة وشغف اذهل المسنين مثلي ما جعلنا نفرح ونزداد املاً وفخراً بهم. وتأكدنا من انهم لو اعطوا الفرصة الحقيقية والتوجيه السليم لتفوقوا على التحديات، وابتكروا الحلول وانجزوا المهمات.
والملاحظة الثانية هي اننا جميعاً دخلنا الحوار وشيءٌ من الحياء يكتنفنا وشيء من التصلب بالافكار المسبقة الصنع يشوش رؤيتنا ولايدعنا نتخلى عن ذرة منها. دخلنا وكأننا ذاهبون الى حلبة المصارعة للدفاع عن مواقفنا. وبعد بضعة ايام تبين لنا اننا قد لا نملك الحقيقة المطلقة وحدنا، بل قد تكون هي نتاج السماع لبعضنا البعض وتداول الافكار والاستعداد لتغيير المواقف والذهنيات. وهذا الاستنتاج لم تحققه وسائل التواصل الاجتماعي على تعدد مجموعاتها والمشتركين فيها وكثافة رسائلها. هذا ما اتسمت به حوارات " تنفيذ".
وتغيرت لهجة الحوار مع مرور الوقت من لهجة متطرفة الى لهجة مرنة، من لهجة غاضبة الى لهجة مسؤولة ومن لهجة متشائمة الى لهجة متفائلة. وتبين لنا انه تحت غلاف التهذيب والعادات الطيبة من التحية والسلام والسؤال عن العلوم والتخشيم والتقبيل قد تكون هناك طبقة من الجليد في العلاقات وفي التعبير عن الآراء وعدم التخلي عن الاسباب الشخصية للوصول الى المصلحة العامة. بعد اسبوعين، ذاب الجليد وبرزت العواطف الدافئة والصادقة المنبعثة عن حبٍ عميقٍ لهذا الوطن الغالي.
ومارسنا خلال المختبرات قدرتنا على التركيز على الموضوع وجزئياته. فلا نخرج عنه سوى لمزاح بريء نعود بعده الى صلب الموضوع. ووضعنا نصب اعيننا معلقات تذكرنا دائماً بالهدف الاسمى للمختبرات وهو رسم الطريق نحو اقتصادٍ جديدٍ متنوعٍ وقادرٍ على توظيف الاجيال من الشباب والشابات.
وانصهرت المصالح المتشعبة في بوتقة المصلحة الوطنية العليا. فلم يعد الاتحاد العام للعّمال ينظر فقط الى الحقوق بل ايضاً الى الواجبات ورفع الانتاجية وتحسين سلوكيات العمل والقدرة على التنافسية العالمية. ولم تعد الشركات تنظر فقط الى ربحها بل الى تحسين بيئة العمل ايضاً عن طريق اعتماد الممارسات الجيدة وتحسين ظروف العمل في القطاع الخاص وتوفير القروض الشخصية وتعزيز الامان الوظيفي الى غير ذلك ما يعزز جاذبية القطاع الخاص للقوى العاملة الوطنية.
في هذا المناخ الصحي باشرنا برسم المشاريع التي ترنو الى اقتصادٍ جديدٍ معتمدين نهجاً علمياً ينساب بين الرؤى العامة والتفاصيل الدقيقة: ماهو المشروع، ماهو وقعه، ماهي مراحل تنفيذه، من المسؤول عن كل مرحلة، ماهي معايير النجاح، من المسؤول عن المتابعة، ماهي التكلفة، من يقيّم، من يحاسب، من يقدم التقرير لمن؟ كان علينا دوماً اعطاء اجوبة على تلك التساؤلات. كم من مرة اردنا الهروب من تلك التفاصيل التي لم نتعود منذُ صغرنا على الدخول فيها فكان الماليزي يحثنا على اكمالها ومراجعتها.
والذي اعطى المختبرات زخماً كبيراً هو الاهتمام الظاهر من قبل المسؤولين بالعمل الذي كنا نقوم به وبالآمال التي يعولونها عليه. وقد زارنا كبار المسؤولين لا ليأثروا على افكارنا واعمالنا بل للتشجيع فقط وتأكيد اهمية المشروع، ما زادنا ثقة وشعوراً بالمسؤولية. وعندما طلبنا تواجد بعض المسؤولين معنا لأخذ الرأي والنصح في بعض المواضيع المتخصصة لامسنا تجاوباً صادقاً وحثيثاً. لم نشاهد مثل هذا الالتفاف العفوي والمخلص والعام منذُ سنوات، وبالتحديد منذُ تخلصنا من رواسب اعصار جونو عندما نهضت جميع فئات الوطن وهبت للمساعدة.
والجميل في كل ذلك ان المختبرات اوجدت جواً من الشغف والحماس والتنافسية نحو الأفضل وولدت صداقاتٍ ومعارف وأضحينا نعرف بعضنا اكثر واكثر ونحن الذين كنا نتذمر من طيلة المدة انتابنا حزن للفراق. لكن ملؤنا املٌ باللقاء قريباً ونحن لانزال في بداية مشوار "تنفيذ"
كل ماسردناه هو من صنع عُمان ومن اجل عُمان. لكنه لا يشكل الهدف الرئيس للمشروع اذ ان المبتغى هو تثبيت الثقة بالنفس والإتكال على الله تعالى وعلى انفسنا لصنع اقتصاد جديد يوازن بين الموارد الطبيعية وبين التنويع الاقتصادي والابتكار والمبادرة.