راية الاستسلام

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠١/نوفمبر/٢٠١٦ ٠٤:٠٠ ص
راية الاستسلام

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

قلة أولئك الذين يناضلون من أجل قضية يؤمنون بها ويتحملون من أجلها ما يصيبهم، توقعوه أو استبعدوه، أو أنهم لم يحسبوا حسابا لصدمة كبيرة شعروا أنها أثقل مما تخيلوا حدوثه..
وكثيرون نراهم يرفعون الراية البيضاء منسحبين، محمّلين الآخر تبعات قرارهم، لا يعترفون أنهم هزموا، بل الحائط كان هائلا، وكأنهم حسبوا ما يقومون به مجرد نزهة، وسير على درب مفروش بالورد.
يصحّ ما سبق على أصحاب المشاريع التجارية أو الفكرية، وغيرهما ممن يبتغون التميز، ووصولا إلى متبني المواقف السياسية.. أولئك الذين يرون أنه من المهم تقديم المختلف فيها، لكن الحسابات حين نسير على الدروب الصعبة ستبقى متطلباتها أعمق، وبقدر ما نغامر تكون التداعيات أقسى.
لا أعني، بالضرورة، أولئك المشتغلين بالكلمة والفكر، وقد انسحبوا تاركين قضيتهم، على افتراض أن الجميع كانت له قضية، إنما أعمم الفكرة على كثيرين في حياتنا، لا يقاومون كما يجب، تاركين للظروف سحب ردائها الأسود عليهم فانسحبوا من ساحة البقاء، هناك من لديه مشروع تجاري رأى حجم اللوبي الآسيوي فآثر السلامة بينما بقي الدرب أمام "الوافد المستغل" سالكا، وهناك من سعى لفكرة اجتماعية لكنه لم يدرك حجم التخاذل من حوله، كبدايات أي مشروع، فلم يقاوم من أجل أن يجمع "الشتات" حوله ليؤمنوا بفكرته، كما فعل الأنبياء والرسل وأصحاب جميع الأفكار النبيلة الذين سعوا من أجل ما آمنوا به، طالما أنه يسعى للخير والصلاح.
ربما لا نكون ممتلكين لحق لوم أحد ممن يرفع راية الاستسلام، كوننا لا نعرف الظروف التي دعته إلى ذلك، وحجم الضغوط عليه ممن نعرف وممن لا نعرف، ولكن نراهن دائما على أن هناك من يقاوم الظروف والضغوط، لأنه يعرف مصاعب الخندق الذي يناضل من خلفه، ليس بالضرورة في حرب تستخدم الأسلحة حربا، وإنما الكلمات سلاما، من أجل وطن يريده أجمل وأفضل وأبهى، هكذا هي رؤيته لواقع الساحة أمامه، ودوره أن يبقى، من أجل قضيته التي يؤمن بها.
وفي مسار مشاريع "الفكر" فإن المسألة تكون أصعب، لأن تصادم الأفكار أشد قدحا للشرار من تصادم الأجساد، ومع تعدد وجهات النظر، ووراءها قناعات وأمزجة وأهواء وأهداف "واضحة أو خفية" من الصعب الإشارة إلى حقيقة واضحة يمكن التعويل عليها، وكلما كبرت مكانة الشخصية تزايد عدد المؤيدين والمعارضين للأفكار، مع وجود خلفيات طائفية ودينية وسياسية تدفع إلى التعصب مع رأي دون رأي، وفي عالمنا العربي فإن القناعة بالأفكار والإيمان بالقضايا، على تنوعها، مرهون بالعواطف، يستوي في ذلك فكرة تتجه لعبادة الله سبحانه وتعالى والإيمان به، ووصولا إلى التلاعن بين مشجعين يناصران ناديين مختلفين.
وأعود للفكرة الأساسية: لماذا نرفع راية الاستسلام دون أن نسعى لبقاء الراية ومراجعة الظروف المحيطة ونقد الأفكار التي نبني عليها الرؤية، ربما سننجح في الوصول بقضيتنا إلى مبتغاها الأسمى طالما أن هدفها.. أسمى.