لماذا لايثق الناس بأمريكا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/أكتوبر/٢٠١٦ ٢٣:٢٢ م
لماذا لايثق الناس بأمريكا

ديفيد إجناتيوس

عندما تشن الولايات المتحدة حروبها في الشرق الأوسط، تكون لها عادة سيئة تتمثل في تجنيد قوى محلية كوكلاء لها ثم بعد ذلك تهجرهم عندما تتعقد الأمور أو عندما تتدخل السياسة الإقليمية.
هذا النمط من "الإغواء والتخلي" هو أحد خصائصنا التي تبغّض الناس فينا. وهو أحد الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة تحظى بعدم الثقة في الشرق الأوسط. فنحن لا نقف بجوار الناس الذين يعرضون أنفسهم للمخاطر بالنيابة عنا في العراق وفي مصر ولبنان وغير ذلك من الأماكن. وأنا أخشى أن هذه المتلازمة تحدث الآن مجددا في سوريا، حيث هناك مجموعة ميليشيات كردية تعرف باسم "وحدات حماية الشعب" ظلت هي أفضل حليف للولايات المتحدة ضد تنظيم داعش ويقصفها الجيش التركي الآن.
ووحدات حماية الشعب هي حالة خاصة بالنسبة لي لأنني كان لدي فرصة للقاء بعض مقاتليهم في شهر مايو الفائت في معسكر سري لقوات العمليات الأمريكية الخاصة في شمال سوريا. وقد وصفوا القتال حتى آخر رجل فيهم – وأحيانا امرأة – وهم يطردون تنظيم داعش من معاقله. وقد حكى ضباط العمليات الخاصة المشاركين مع وحدات حماية الشعب عن أعمالهم الميدانية البطولية باحترام عميق.
ولكن للآسف إن التحالف مع الولايات المتحدة يمكن أن يكون فكرة خطيرة في الشرق الأوسط. ففي الأسبوع الفائت قالت تركيا إن طائراتها الحربية قتلت ثمانية عشر هدفا في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب في شمال سوريا. إن الأتراك يريدون منع وحدات حماية الشعب من الارتباط مع مقاتليهم في منطقة تعرف باسم عفرين شمال غرب حلب، كما يريد الأتراك أيضا منع وحدات حماية الشعب من لعب دور قيادي في تحرير الرقة، عاصمة تنظيم داعش، كما خططت الولايات المتحدة.
قال أحد مسؤولي البنتاجون محذرا من الهجوم التركي: "إن لم يتوقف هذا الهجوم، فإنه يمكن أن يستبق جميع الخطط بشأن الرقة". وقالت لي مصادر كردية إنه بسبب عدم استجابة الولايات المتحدة للنداءات من عفرين، أصبحت وحدات حماية الشعب تناشد روسيا الآن.
لقد تم صياغة التحالف بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب أثناء تحرير كوباني من قبضة تنظيم داعش في أواخر عام 2014. وقد كان عدد المقاتلين الأكراد قليلا لا يتجاوز بضعة مئات عندما تدخلت قوات العمليات الخاصة الأمريكية. وقد توسط في المساعدة لاهور طالباني، رئيس مخابرات الاتحاد الوطني الكردستاني، حيث أرسل عددا من نشطائه إلى كوباني ومعهم أجهزة تحديد المواقع لاستدعاء دعم جوي قريب من الولايات المتحدة، عبر مركز عمليات في مقر الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية بالعراق.
قال لي طالباني في مقابلة معه في واشنطن مؤخرا: "لقد كان هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله". وقد وضح أن نجاح وحدات الشعب الكردية ضد تنظيم داعش قد أنقذ حياة الأكراد في سوريا ورفع الضغط عن القوات الكردية في العراق التي تحارب الآن لتحرير الموصل من المتشددين.
لقد تبنت إدارة أوباما وحدات الشعب الكردية لأن نصر كوباني كان هو أول نجاح ميداني في معركة ضد تنظيم داعش. وفي النهاية، كان لدى الولايات المتحدة شريكا كان بإمكانه القتال، ولكن هذا التحالف كان مبنيا فوق خط الصدع العرقي، وقد تمزق في أغسطس عندما استولت قوة تسيطر عليها وحدات حماية الشعب على منبج إلى الجنوب من الحدود التركية. وبعد بضعة أسابيع قام الأتراك بغزو سوريا وبدأوا في توجيه نيرانهم نحو أهداف وحدات حماية الشعب.
وقد حاولت الولايات المتحدة دون جدوى التحايل على العداء التركي الكردي. فقبل أن يبدأ الهجوم على منبج في مايو، أحضرت الولايات المتحدة إلى قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا وفدا من القوى الديمقراطية السورية، وهو ائتلاف يشرف اسميا على وحدات حماية الشعب. ولكن هذا الجهد للتغطية على الخلافات التركية الكردية انهار بعد محاولة الانقلاب في تركيا في يوليو الفائت. ويقال إن بعض الجنرالات الأتراك الذين التقوا بالقوى الديمقراطية السورية هم الآن قابعون في السجن كمشتبه بهم في محاولة الانقلاب.
لقد تضخمت طموحات تركيا الإقليمية بعد أن عزز الرئيس رجب طيب أردوغان سلطته بعد محاولة الانقلاب. وفي الوقت الذي تقوم فيه القوات التركية بمضايقة وحدات حماية الشعب الكردية وتعزز شريطا حدوديا في سوريا، فهي تتقدم أيضا في العراق، حيث تسعى إلى الحصول على دور في تحرير الموصل على الرغم من التحذيرات من العراق والولايات المتحدة لها بالبقاء بعيدا. إن أردوغان يتحدث عن حلب والموصل وكأنهما عواصم إقليمية للخلافة العثمانية السابقة.
يقول أحد كبار المسؤولين في الولايات المتحدة: "إحدى الأوراق الصعبة هي كيف يتم إدارة دور تركيا في كلا مسرحي الأحداث".
ربما كان على الأكراد أن يكونوا على علم أفضل بطبيعة التحالف مع الولايات المتحدة أو أن يثقوا في بقاء تركيا بعيدا. إن التاريخ الكردي هو قصة مليئة بالخذلان. ولحسن الحظ بالنسبة للولايات المتحدة أنه مازال هناك بعض النوايا الحسنة من "عملية توفير الراحة"، وهي منطقة حظر الطيران فوق شمال العراق التي فرضتها بعد حرب الخليج عام 1991، والتي ساعدت على إنشاء حكومة كردية إقليمية مزدهرة في العراق.
ولكن الناس في الشرق الأوسط قد تعلموا أن يكونوا على حذر من الوعود الأمريكية. لقد رفض أحد الزعماء العراقيين مؤخرا الاقتراح بمساعدة أمريكية جديدة، في مرحلة ما بعد تنظيم داعش، قائلا: "ستتركونا وتذهبون. هذا ما تفعلونه دائما".

* كاتب عمود متخصص في الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست.