هل فسدت الديمقراطية الأمريكية؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/أكتوبر/٢٠١٦ ٠٥:٣٢ ص
هل فسدت الديمقراطية الأمريكية؟

جورج مونبيوت

ما هو أسوأ شيء في دونالد ترامب؟ الأكاذيب؟ العنصرية؟ كره النساء؟ رفضه الواضح لقبول نتائج الديمقراطية؟ هذه كلها سيئة بالفعل بما فيه الكفاية، لكنها ليست الأسوأ، فأسوأ شيء في ترامب أنه يعكس واقعاً. ربما نندهش من تجاوزاته ونعتبرها نشازاً همجياً، على النقيض من كل ما يمثل المجتمع المتحضر الحديث. ولكنه ليس شيئاً من هذا، وواقع الأمر أن ترامب سيء لا لأنه يسيء الى معظم القيم الأساسية لحضارتنا، ولكن لأنه يجسدها.

فترامب مثال حي على الصفات التي تروجها وسائل الإعلام وعالم الشركات، العالم الذي جاء به، فهو بارون الثروة والسلطة الذي يعكس صورة أمة، وتضخيمه الكبير في الذات والإعجاب والتباهي بـ «الأنا» تأتي جميعها انسجاماً وتماشياً مع النمط السائد في هذا العصر.

وكوريث لثروة هائلة يسوق نفسه على أنه عصامي بنى ثروته بنفسه يكون بالفعل نموذجاً لرجل العصر. والبرنامج التلفزيوني الذي يقدمه يحكي قصة مغايرة تماماً للواقع عن شاب بدأ من الصفر وبفضل مشروعاته ومهاراته حقق ما وصل إليه، وهو في ذلك لا يختلف عن معظم أصحاب الثروات الضخمة، ممن تقدمهم وسائل الإعلام في صورة أصحاب المشروعات الذين كافحوا بإخلاص دون إشارة بالطبع إلى الإرث الذي انتقل إليهم والمساعدات الحكومية التي حصلوا عليها ناهيك عن الاحتكارات والسياسات الملتوية.
فإذا كانت سياساته تختلف عن باقي الحزب الجمهوري العصري، فذلك لأنه من بعض الأوجه أكثر ليبرالية. فالجمهوريون مثل تيد كروز وسكوت ووكر يقومون بتشجيع من وسائل إعلام الشركات بشن هجوم شامل على قيم التعاطف والإيثار والاحتشام. فهل اخترع ترامب كراهية الأجانب والعنصرية التي تبثها حملته الانتخابية؟ ه
وقد وضع الرئيس الأمريكي الرابع جيمس ماديسون تصوراً لدستور الولايات المتحدة ليكون تمثيلياً من خلال المنافسة بين الفصائل. وفي عام 1787 كتب في ورقة فيدرالية يقول إن الجمهوريات الكبيرة أفضل في الابتعاد عن الفساد من الديمقراطيات الصغيرة، فالعدد الأكبر من المواطنين من شأنه أن يزيد الصعوبة أمام المرشحين الذين لا يستحقون الترشح، كما أن الأعداد الكبيرة من الناخبين ستوفر حماية للنظام في مواجهة جماعات المصالح القمعية. والسياسة التي تمارس على نطاق واسع تزيد فيها احتمالات اختيار الشعب لوجهات النظر المستنيرة والمشاعر الفاضلة.
بيد أن الولايات المتحدة الآن، ومعها العديد من الدول الأخرى تعاني الأمرين: عدد كبير من الناخبين يخضعون لسيطرة فصيل صغير، وبدلا من أن تحكم الجمهوريات – كما كان يخشى ماديسون – من قبل رغبات سرية لأغلبية ظالمة لها مصلحة، أصبحت تدين بالفضل لرغبات غير سرية لأقلية ظالمة صاحبة مصلحة. ولم يدر بخلد ماديسون مدى ما يمكن أن يصل إليه التمويل اللامحدود للحملات الانتخابية وصناعة الضغط المتطورة للسيطرة على أمة بأكملها، بغض النظر عن حجمها.
الواقع أن الديمقراطية في الولايات المتحدة قد أصابها الفساد جراء المال ولم يعد ممكناً تعريفها بأنها ديمقراطية بمعنى الكلمة، فبوسعك أن تقصي أي سياسي فرد من منصبه، ولكن ماذا ستفعل حينما يكون هيكل السياسة فاسدا بأكمله وهبط إلى مستوى ذلك الغوغائي الذي يتبختر في هذا الفراغ السياسي، ليشجب القوى التي يجسدها؟
والدستور السياسي للولايات المتحدة لم يعد – على النحو الذي توخاه ماديسون- تمثيليا تعززه المنافسة بين الفصائل، ولكن الدستور الحقيقي هو تلك النخبة الثرية التي لا تحدها سوى الفضائح، وبعبارة أخرى، فكل ما يعوق السلطة المطلقة للمال هو الكشف العرضي عن تجاوزات الأثرياء. وما يميز الحياة السياسية لترامب أنه حتى وقت قريب لم تكن فضائحه قد جلبت عليه الضرر.
إننا نحتقر ترامب لأنه يستخدم صافرة صاخبة بينما يستخدم الآخرون صافرات هادئة، ونكره أن نستمع إلى موضوعاته التي يعبر عنها دون مواربة، ولكننا نعلم في أعماق نفوسنا أن هذه الموضوعات تهيمن على الطريقة التي يدار بها العالم.
ولأن هذه القصة لم تبدأ مع ترامب، فإنها لن تنتهي به بصرف النظر عن شدة الخسارة التي سيمنى بها في الانتخابات. نعم هو شخص ضحل وكاذب وخطير للغاية، ولكن تلك الصفات تضمن أنه ليس من الخارج ولكنه يمثل طبقته في صورة ناصعة، تلك الطبقة التي تدير الاقتصاد العالمي وتحكم حياتنا السياسية، إنه نظامنا ولكنه مجرد من مساحيق التجميل.

كاتب مقال رأي في صحيفة الجارديان