
روبرت صامويلسون
لا تتوقع نشوب حرب ثانية على الفقر، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
إن استئناف المسيرة من حيث انتهى ليندون جونسون في ستينيات القرن الفائت سيبدو ردا منطقيا على الانتقاد اللاذع للحملة الانتخابية لعدم المساواة الاقتصادية. ولكن المظاهر خداعة. إن معظم المقترحات بالحد من انعدام المساواة – وأوضحها مقترحات هيلاري كلينتون – تستهدف الطبقة الوسطى. أما الآثار غير المباشرة على شديدي الفقر فإنها ستكون عرضية في الأغلب.
وتشمل هذه المقترحات رفع مدفوعات الضمان الاجتماعي وزيادة الدعم على رعاية الطفولة المبكرة وتقليل – أو إلغاء – الدروس الخصوصية الجامعية في الكليات والجامعات الحكومية وزيادة الحد الأدنى للأجور. ومن جانبه، تعهد دونالد ترامب بعدم خفض مخصصات الضمان الاجتماعي وبخفض الضرائب في جميع المجالات. وهذا تلقائيا يصب في صالح الطبقة الغنية والمتوسطة لأنه هم من يدفعون معظم الضرائب.
هناك سببان قويان لتجاهل الفقراء. أولا، الفقراء ليسوا مصدرا قويا للأصوات الانتخابية. فما يقرب من نصف غير الناخبين (46%) دخولهم الأسرية أقل من 30,000 دولار سنويا، بحب مركز بيو للأبحاث. والكثير من هؤلاء تحت خط الفقر الرسمي بحسب تقدير الحكومة. (في عام 2014، كان خط الفقر بالنسبة للأسرة المكونة من أربعة أفراد هو 24,230 دولار في السنة. وكان معدل الفقر – وهو نسبة الأمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر – 14.8% في عام 2014، مرتفعا عن أدنى مستوياته في الآونة الأخيرة الذي بلغ 11.3% في عام 2000.)
والسبب الثاني لا يحظى باعتراف كبير: ليس هناك إجماع في الرأي العام على شن حرب ثانية على الفقر. ولكن ليس هناك إجماع أيضا على تقليص برامج مكافحة الفقر الحالية. في الواقع الإجماع الحقيقي الوحيد هو على التناقض. فالأمريكيون يؤيدون استمرار برامج مكافحة الفقر اليوم، رغم أنهم يشكون في أن هذه البرامج يمكن أن تنجح.
وأحدث دليل على ذلك يأتي من استطلاع مثير للرأي العام نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز ومعهد أمريكان إنتربرايز للأبحاث، حيث قاموا بتكرار استطلاع للمواقف تجاه الفقر الذي كانوا قد أجروه في عام 1985. وكان ما وجدوه هو استمرار مثير للدهشة.
كان السؤال المطروح في استطلاع عام 1985 هو هل الفقراء كسالى أم يعملون بجد؟ وكانت الإجابة على مستوى الأمة هي 50% لصالح العمل بجد، و 25% في صف الكسل، و 25% قالوا لا أعلم أو امتنعوا عن الإجابة. وقد عكست الإجابات على سؤال مشابه هذا العام نفس النمط: 65% لصالح العمل الجاد، و 21% في صف الكسل، و 13% قالوا لا أعلم أو امتنعوا عن الإجابة.
في كلا العامين، طرح الاستطلاع السؤال "من صاحب المسؤولية الأكبر عن مساعدة الفقراء؟" ورغم مرور الزمن، كانت الإجابات متطابقة تقريبا. فقد ذكرت نسبة 34% من المستطلعين أن الحكومة هي المسؤولة في عام 1985، ونسبة 35% اليوم، تلاها "الفقراء أنفسهم هم المسؤولون" (نسبة 21% وقتها ونسبة 18% اليوم)، ثم الكنائس (نسبة 17% و نسبة 13%). وكانت الإجابات الباقية متفرقة فيما بين الأسرة والجمعيات الخيرية وعد الرد على الأسئلة.
ولكن التناقض يكمن في أن الناس تلقي بالمسؤولية على الحكومة وفي نفس الوقت تبرئها منها من جهة أخرى. ففي كلا الاستطلاعين، تم طرح سؤال "هل الحكومة لديها ما يكفي من المعرفة لكي تتكمن من إلغاء الفقر حتى وإن كانت تستطيع إنفاق ما يستلزمه الأمر؟" في عام 1985، قالت نسبة 70% لا، وفي عام 2016 قالت نسبة 73% لا.
إن ما يبرز هو إجماع غامض. فالحكومة تستطيع ويجب أن تساعد، ولكنها لا تستطيع ذلك إلا بهذا القدر فقط. والفقراء أنفسهمه – ومعهم أسرهم والكنائس والجمعيات الخيرية – يجب عليهم أداء دور البطولة. ولكن أيا من هذا كله لا يشكل تفويضا قويا لبرنامج جديد واسع لمكافحة الفقر. ونحن نعرف الآن أكثر مما كنا نعرف في ستينيات القرن الفائت، ولكننا لم نعد على نفس القدر من التفاؤل والثقة بالنجاح. بالنسبة لكثير من الأمريكيين، أصبح القضاء على الفقر مهمة مستحيلة.
كاتب عمود متخصص في الشؤون الاقتصادية في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.