
مسقط -
في الوقت الذي تشتكي فيه بعض الأمهات من إدمان أطفالهن على الهواتف والأجهزة اللوحية «الآيباد» التي يستخدمونها للألعاب الإلكترونية، يقول علم الاجتماع إن هذه الألعاب قد تؤدي إلى الإصابة بالتوحد، كما يحذر الطب من المخاطر الجسدية الوخيمة للإدمان على هذه الألعاب إلى جانب الأضرار النفسية الكبيرة التي قد تلحق بالأطفال! وفي ضوء ذلك كله هل يلتفتن الأمهات إلى ماهية هذه الألعاب وأهدافها وآثارها النفسية والجسدية والاجتماعية؟ أم أنهن يرضخن لرغبة أطفالهن الذين يسرحون ويمرحون مع تلك الشخصيات الوهمية والأبطال ذو القوى الخارقة طوال الوقت.
التبول اللاإرادي نتيجة الإدمان
تروي ب.ع قصتها مع ابنها الذي تأثر بالألعاب الإلكترونية بشكل كبير وتقول: تأثر طفلي بالألعاب الإلكترونية حيث كان يعاني من التبول اللاإرادي وهذا ما أدهشني بالفعل، أن يصل التأثير السلبي لهذه الألعاب إلى هذا الحد، حيث لاحظت على ابني أنه كلما جلس فترات طويلة وهو يلعب بهذه الألعاب يتعرض إلى التبول اللاإرادي، وكلما منعته من استخدام هذه الأجهزة واللعب بها تحسن الأمر وأصبح يدرك نفسه قبل الأوان. فتأثير تلك الألعاب لا شك بأنه كبير وربما يكون أكبر من ذلك ولذلك أصبحت أكثر صرامة مع أبنائي حول ماهية الألعاب التي يلعبونها والمدة الزمنية مع عدم حرمانهم هذه الوسيلة الحديثة للترفيه.
شخصية ابني هي المهمة
من جانبها تقول انتصار الرمضانية: لاحظت على بعض من أبناء أخوتي أنهم كـ(الروبوت)، حيث تكون عينه إما على الهاتف النقال أو على الجهاز اللوحي (الآيباد) أو التلفاز للعب بالألعاب الإلكترونية، ذلك كله يؤدي إلى أن يفقد الطفل تركيزه مع من هم حوله ويستحيل جذب انتباهه مهما حصل، وأرى أن التأثير سواء النفسي أو الاجتماعي أو غيره يظهر عندما يتقدم الطفل في العمر ويصبح غير متعود على الاختلاط مع الناس وهذا الأمر سيتعبه جدا. وتضيف: أما بالنسبة لي كأم فمن شروطي لاستخدام ابني للهاتف أو التلفاز أو أي جهاز إلكتروني للعب بالألعاب الإلكترونية فيكون على مدة زمنية لا تتعدى حدود الساعة، بالرغم من أنها وسيلة ناجحة للتخلص من فوضى الأطفال وللقيام بعملي على أكمل وجه، إلا أنني لا أضحي بشخصيته الاجتماعية وجسده ونفسيته، وبالرغم أن الألعاب الإلكترونية منها ما ينمي العقل وطريقة التفكير إلا أن تلك الميزة يقابلها سمات سلبية والحل هو تنمية الألعاب الحركية والعملية فهي أكثر فائدة للجسد والعقل.
الألعاب القتالية
وتعقب حفصة آل عبد السلام: ما ألاحظه على أطفال أخوتي وأخواتي أن أكثرهم يلعب الألعاب القتالية وغيرها من الألعاب التي تتسم بالعدوانية والعنف، مما أثر على طريقة تعاملهم مع أقرانهم وردات فعلهم، حيث أنهم يصبحون عدائيين جدا!. وتأكد: في نظري يجب أن لا نحرم الأطفال من هذه الألعاب فمهما يكن هي ألعاب حديثة ومطورة لهذا الجيل ولكن علينا انتقاء الأنواع المفيدة والألعاب التي تحمل مغزى يفيدهم ويقوي من شخصياتهم وعقولهم، والأم العمانية لا شك بأنها مثقفة ومدركة حول خطورة الإدمان على هذه الألعاب، لكن يجب عليها أن تكون قوية أمام إلحاح الأطفال ورغباتهم وأن تنتقي ما يناسبهم وليس ما يظن الأطفال أنه يناسبهم.
بدوره قال أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة نزوى حسين الحارثي: لا شك أن لجميع الألعاب ومنها الألعاب الإلكترونية تأثيراتها على الأطفال سواء تأثيرات إيجابية أو سلبية. ومن التأثيرات الاجتماعية للألعاب الإلكترونية اندماج الطفل في المجتمع الافتراضي، الذي هو بالطبع يختلف عن المجتمع الطبيعي، فقد يتعرف الطفل على أصدقاء من خارج مجتمعه، وهؤلاء الأصدقاء إما أن يكونوا أقرانا حقيقيين أو غير حقيقيين. وربما قد يقع ضحية ابتزاز مادي أو جنسي. ومن الآثار الاجتماعية للألعاب الإلكترونية تعلم الطفل بعض السلوكيات غير المقبولة اجتماعيا مثل العنف والصراخ والاستسلام لنتيجة اللعبة في حالة الخسارة وتضييع الوقت والواجبات المدرسية والواجبات الاجتماعية تجاه الأسرة والأقارب. كذلك نجد أن الطفل المدمن على الألعاب الإلكترونية سريع الانفعال والغضب، يضاف إلى هذه الآثار ما ينتج عنه من انطوائية للطفل واغتراب اجتماعي، والتهرب من تحمل المسؤولية والكسل والخمول. غير أنه في المقابل هناك من الآثار التي يمكن القول بأنها إيجابية هي القدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة والانفتاح على العالم الآخر والقدرة على إتباع وسائل المراوغة والهروب من المواقف المحرجة. وعن ما إذا كانت خطورة هذه الألعاب تصل لحد الإصابة بالتوحد أكد الحارثي: نعم بالتأكيد لأنه إذا وصل الأمر بالطفل إلى حد الإدمان فإن فرصة إصابته بالتوحد كبيرة، وذلك لأن الألعاب تستغرق وقت الطفل بدون أن يشعر أنه يقضي أوقاتا طويلة في ممارستها. كل هذا يؤدي إلى اندماج الطفل مع تلك الألعاب وانعزاله عن بقية أفراد الأسرة وأقرانه من أبناء الجيران. وحول أهم الأمور التي يجب أن تدركها الأم قبل انتقاء الألعاب الإلكترونية للطفل أجاب: أولا يجب عليها أن تعرف أن الطفل يقضي معها أطول فترة من طفولته ولذلك يجب عليها أن تغرس فيه نموذج الإنسان المثالي الذي يستطيع أن يوازن بين متطلبات الحياة المختلفة. ثم إن عليها أن تختار الألعاب التي تناسب الفئة العمرية لطفلها ووفقا لجنسه ذكرا كان أم أنثى. وأخيرا أن تكون خير معين له عند شرائه واستخدامه لتلك الألعاب بما يراعي العادات والتقاليد والثقافة السائدة في المجتمع، وأن لا تشتمل اللعبة على أنماط سلوك عنف أو إحباط أو دعوة إلى التكاسل أو الغش أو التحايل.
من جانبها قالت طبيبة الأطفال في مستشفى خولة د. إسراء أحمد الطيب: من المعروف أن الألعاب الإلكترونية اقتحمت كل البيوت وأصبحت جزء لا يتجزأ من حياتنا ولها تأثيرات إما إيجابية أو سلبية، خصوصا إذا أسيء استخدامها لدرجة الإدمان، ومن الملاحظ أن الطفل يكون منتبها فقط للعبة الإلكترونية ويعيش اللعبة بكل تفاصيلها، ويتناسى الواقع فمعظم هذه الألعاب تدعو إلى العنف والقتال، فهم منذ نعومة أظفارهم يتعلمون العنف الذي يؤثر على الصحة العامة للطفل كالصحة النفسية والجسدية، حيث إن الأطفال في طور النمو تكون أعضاء جسدهم الصغير كالغصن الأخضر اللين ومع الاستعمال المتواصل لهذه الأجهزة يحتمل حدوث تشوهات في الأطراف كما أن تفاعل الأطفال مع هذه الأجهزة والألعاب قد يؤدي إلى القيام بحركات مفاجئة مما يؤدي إلى إصابات مختلفة. وأضافت: كما يكون معدل الحركة أقل، وهذا يؤثر على نموهم الطبيعي،ناهيك عن الإصابات البليغة المحتملة للعين حيث إن وميض اللعبة المتغير يؤثر على العين مما يؤدي إلى ضعف النظر. وأوضحت: بما أن الألعاب الإلكترونية أصبحت واقع لابد منه من هنا تأتي مسؤولية الوالدين في اختيار الألعاب المناسبة لعمر الطفل والتي تنمي قدراته وأيضا اختيار الألعاب البعيدة عن العنف، ويمكن أيضا اختيار الألعاب الإلكترونية التي تستخدم فيها الحركة البدنية، وعلى الوالدين تحديد أوقات معينة لاستخدام الإلكترونيات وأهم من ذلك الرابط الأسري حيث على الوالدين الاهتمام بالطفل والتقرب منه ومشاركته.
وحول أهم الآثار النفسية، قال المدرب المعتمد من الأكاديمية العربية العالمية للتدريب والتطوير بكندا والمحاضر المعتمد من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المدرب يوسف الخنجري: الألعاب التي فيها سباق السيارات والمطاردة والقتل تؤذي عقل الإنسان من خلال تدمير مراكز مهمة في العقل ألا وهي القدرة على الانتباه والقدرة على التركيز والقدرة على التذكر وذلك من خلال عملية مستمرة مع الألعاب لمدة ثلاثة أشهر، وتجعل الأطفال أكثر انطوائية ويميلون إلى الجلوس بمفردهم للاستمتاع بممارسة تلك الألعاب، بعيدا عن أهلهم في حالة من الانعزال الشديد، فيصاب الطفل بالقلق وتقلب المزاج والتوتر وسرعة الغضب كحالة انفعالية لأي شيء يثيرهم، فيعيش الطفل بنفسية خائفة مع نوم مضطرب، وضعف الثقة في النفس، وتشتيت الذهن، وضعف التفكير وعدم التفريق بين الواقع والخيال.
وأجاب الخنجري حين سألناه أنه هل من الممكن أن تصل خطورة هذه الألعاب إلى حد أن تدفع بأطفالنا لارتكاب جرائم: نعم بالتأكيد فالألعاب الإلكترونية في كثير من الأحيان تعتمد على توفير التسلية والمتعة والترفيه من خلال القتل والاعتداء وتدمير ممتلكات الآخرين بغير حق يذكر، فالألعاب الإلكترونية أدت إلى زيادة تعلم أساليب العنف وارتكاب الجريمة وفنون شتى ومهارات وقدرات عالية، وذلك بطبيعة الحال يؤدي إلى التعرف على أشخاص من غير عمره ومن دول مختلفة لهم أهدافهم في الاستغلال أو الإيذاء أو الابتزاز. وهناك الكثير من القصص التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية بأن أطفالا وقعت في أيديهم مسدسات فقاموا باللعب بها مما أدى إلى قتل مجموعة من الأطفال، وأفاد التحقيق بأنهم تعلموا التصويب عن طريق الألعاب الإلكترونية.
وأكد الخنجري على أهمية انتقاء الألعاب المناسبة وقال: لابد من زيادة وعي الوالدين بشكل عام حول خطورة الألعاب وعدم التساهل في ذلك، فمع بعض الإيجابيات لتلك الألعاب كما يراها الكثيرون لا بد من الانتباه عند اختيار الألعاب بعناية ومراقبة ومعرفة المحتوى في تلك الألعاب، لأن الأطفال لبنة جديدة في الأسرة وهي من تشكلها فضلا أنهم لا يعون خطورة وأضرار تلك الألعاب، فبعضهم لا يفرق بين التمرة والجمرة. وعلى الوالدين أو أحدهما البحث عن الألعاب المناسبة للأبناء مع اليقين التام أن الألعاب الإلكترونية سلبياتها أكثر بكثير من إيجابياتها.