
بقلم : محمد محمود عثمان
الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة؛ فعندما نكتب في السياسة فإننا نعكس الواقع الاقتصادي المعاش ولا نغفله أو نتغافل عنه، حيث تحمي السياسة الاقتصاد، ويدعم الاقتصاد السياسة.
ومع كل مؤشر على احتمالية تصعيد عسكري جديد أو انفراجة دبلوماسية، تشهد أسواق النفط والأسهم تقلبات واضحة نتيجة ارتباط السياسة بالاقتصاد.
فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الخليج ومضيق هرمز باعتباره مجرد طريق لنقل النفط، بل باعتباره منطقة استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة العالمي، والتجارة الدولية، والعلاقات العسكرية مع دول المنطقة، والتوازن مع إيران والقوى الدولية الأخرى. وهنا اندمجت السياسة بالاقتصاد وبالقوة العسكرية، وارتبطت بإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط؛ ومن ثم فإن الوجود العسكري الأمريكي قد يخدم هدفين في الوقت نفسه: حماية الملاحة من جهة، والمحافظة على موقع واشنطن باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في أمن الخليج من جهة أخرى، لتنـفرد بالقطب الأوحد والأعظم في العالم، على مرأى ومسمع من جميع القوى الدولية الأخرى.
لتتحول تداعيات الحرب الإيرانية من مسألة تتعلق بأسعار النفط والغاز والغذاء إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصادات الخليجية والعربية على حماية مصالحها في ظل اضطراب الممرات البحرية في مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وحتى مضيق جبل طارق، وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، وتراجع الثقة الاستثمارية، واحتمال انتقال الأزمة من قطاع الطاقة إلى التجارة والغذاء والسياحة والحياة المعيشية اليومية للمواطنين، وأثرها على لُحمة التماسك الاجتماعي والاستقرار في المجتمعات العربية.
ويجسد ذلك الانكماش الاقتصادي الملحوظ خلال العام الحالي، مع التفاوت الكبير بين الدول بحسب تعرضها لاضطرابات إنتاج الطاقة وتصديرها، وقدرتها على استخدام طرق بديلة للتجارة والنقل.
لتتركز الخطورة في مدى قدرة دول الخليج والدول العربية على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة اقتصادية وأمنية إقليمية مستقلة نسبيًّا، حتى لا تتحمل تكاليف وآثار الحرب بينما تظل القرارات الاستراتيجية خارج نطاق تأثيرها وتُفرض عليها من الخارج.
مع استمرار اضطراب إمدادات الطاقة العالمية نتيجة تعطل الإنتاج أو الصادرات أو حركة الناقلات، والتي أحدثت اضطرابات في حجم التجارة والنقل بعد زيادة المخاطر البحرية، وتغيير مسارات السفن والطائرات، وارتفاع أقساط التأمين وزيادة تكلفة الاقتراض، وهو ما يهدد النمو ويرفع التضخم؛ ليفاقم ذلك اضطراب الاستثمار والتمويل، وتوقف المشروعات الاستثمارية أو تأجيلها أو إلغاؤها، وهروب المستثمرين؛ نتيجة ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
لأن الأمن الاقتصادي لا ينفصل عن الأمن السياسي والعسكري، لكنه لا يتحقق بالاعتماد على الحماية الخارجية بأي حال، بل من خلال بناء منظومة أمن إقليمي تحمي الاقتصاد والاستثمارات الأجنبية والمحلية، ولأن مقارنة الخسائر الاقتصادية نتيجة الحرب بتكلفة بناء منظومة أمن اقتصادي وعسكري خليجية مشتركة تكون في صالح المنظومة على المدى البعيد.
وهنا تتضح أمامنا المعادلة؛ فحتى مع ارتفاع أسعار النفط، فإن الدول المنتجة نفسها قد تتعرض للخسائر إذا تعذر عليها إنتاج النفط أو تصديره، فارتفاع السعر لا يعوّض بالضرورة انخفاض الكميات المصدرة، ولا يعالج خسائر السياحة والتجارة والخدمات والاستثمار وآثار ارتفاع أسعار كافة السلع والواردات والخدمات، لنجد التباين وتنوع الخسائر بين الاقتصادات الخليجية، ومدى تنوع الاقتصاد خارج قطاع النفط والغاز، تبعًا لحجم الاحتياطيات المالية والقدرة على الاقتراض.
وإمكانية مواجهة تداعيات الحرب وفقًا لمدى الاعتماد على مضيق هرمز لتصدير الطاقة واستيراد السلع، والقدرة على استخدام خطوط أنابيب وموانئ بديلة أكثر أمنًا.
وأبرز التداعيات هو ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف النقل والإنتاج على المستهلكين والشركات، كما قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع التضخم وتأجيل الاستثمارات.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الدول المطلة على الخليج، بل تمتد إلى الدول العربية المستوردة للطاقة، والدول التي تعتمد على السياحة أو تحويلات العاملين أو حركة التجارة عبر البحر الأحمر.
كذلك لا يمكن اعتبار كل ارتفاع في الإيرادات النفطية الخليجية مكسبًا صافيًا، ما لم تُخصم منه خسائر الإنتاج والتصدير والتجارة والأنشطة الاقتصادية الأخرى.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل 4.3% في عام 2026، وأن استمرار اضطراب الشحن والطاقة قد يؤخر التعافي، وأن الاستثمارات في طرق التجارة البديلة والبنية الأساسية والقدرة اللوجستية ضرورية لتعزيز صمود الاقتصادات الخليجية.
وإن كانت سلطنة عُمان تتمتع بميزة جغرافية استراتيجية مهمة؛ إذ تقع موانئها الرئيسية في الدقم وصلالة وصحار خارج مضيق هرمز، ما يمنحها خيارات أوسع لاستمرار جانب من عمليات التصدير والاستيراد عند تعطل الملاحة في المضيق.
وهذا يدعونا إلى سرعة استكمال مشروعات الربط الإقليمي، ومنها السكك الحديدية الخليجية، والربط البري بين موانئ الخليج والبحر الأحمر، حتى يمكن تقليل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز إذا استمر لفترات أطول أو انفردت إيران بالسيطرة عليه.
فسوف تتأثر بشدة الدولة التي لا تمتلك احتياطيات كبيرة وصناديق سيادية وأصولًا خارجية، والتي قد تواجه في الوقت نفسه انخفاضًا في الإنتاج، أو ارتفاعًا في النفقات، أو تراجعًا في إيرادات قطاعات حيوية.