x

هل يتحول ترامب إلى «بطة عرجاء» بعد خسارة الكونغرس؟

الحدث الأربعاء ٠٤/نوفمبر/٢٠٢٦ ١٧:٤٩ م
هل يتحول ترامب إلى «بطة عرجاء» بعد خسارة الكونغرس؟
الرئيس الأمريكي

مسقط - الشبيبة

تدخل رئاسة دونالد ترامب عاميها الأخيرين وسط خريطة سياسية جديدة في واشنطن، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية من الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب، وفق النتائج التي أوردتها وكالة «أسوشيتد برس» ونقلتها «رويترز» في 4 نوفمبر 2026، في تحول يضع إدارة الرئيس الأمريكي أمام تحديات تشريعية ورقابية متزايدة.

وبهذا الفوز، تنتهي هيمنة الجمهوريين على السلطة التشريعية التي استمرت منذ بداية ولاية ترامب الثانية، بعدما أتاحت له السيطرة على المجلسين تمرير عدد من أولوياته التشريعية دون مواجهة معارضة كبيرة. أما المرحلة المقبلة، فستشهد انتقال الكونغرس من مؤسسة توفر الدعم الحزبي لأجندة البيت الأبيض إلى ساحة تقودها المعارضة الديمقراطية.

ومن المقرر أن يتولى الكونغرس الجديد مهامه في 3 يناير 2027، ما يعني استمرار سيطرة الجمهوريين على المجلسين خلال الفترة الانتقالية المتبقية من العام الحالي، قبل انتقال الأغلبية رسميًا إلى الديمقراطيين.

رقابة أوسع ومواجهة تشريعية

ويمنح انتقال الأغلبية الديمقراطية الحزب المعارض أدوات أوسع لمراقبة أداء الإدارة وقراراتها، تشمل رئاسة اللجان البرلمانية، وطلب الوثائق والسجلات الرسمية، واستدعاء المسؤولين والشهود، وتنظيم جلسات الاستماع، وفتح تحقيقات بشأن سياسات البيت الأبيض والملفات المرتبطة بالرئيس ومحيطه.

ومن المتوقع أن تحتل التحقيقات في أداء الإدارة وقراراتها مساحة واسعة من عمل الكونغرس الجديد، بعدما كان الجمهوريون أقل ميلًا إلى استخدام سلطاتهم الرقابية لمواجهة البيت الأبيض. كما تتيح السيطرة على مجلس النواب للديمقراطيين الاستفادة من صلاحياته الرئيسية في التحقيقات والرقابة وإجراءات العزل.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على مجلس النواب، إذ يؤدي مجلس الشيوخ دورًا أساسيًا في المصادقة على كبار المسؤولين الحكوميين والقضاة والسفراء الذين يرشحهم الرئيس، ما يمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على تعطيل بعض اختيارات ترامب، خصوصًا المناصب التي تتطلب موافقة المجلس.

وفي المقابل، لن يتمكن الديمقراطيون من فرض أجندتهم التشريعية بسهولة، رغم سيطرتهم على المجلسين، إذ سيظل ترامب قادرًا على استخدام حق النقض الرئاسي «الفيتو» ضد القوانين التي لا تحظى بموافقته، ولا يمكن تجاوز هذا النقض إلا بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ.

الموازنة والإنفاق في صدارة الخلافات

ومن أبرز التداعيات المتوقعة لخسارة الجمهوريين الأغلبية، اضطرار ترامب إلى التفاوض مع خصومه السياسيين للحصول على موافقة السلطة التشريعية على مشروعات القوانين والإنفاق الحكومي، بعدما كان يعتمد على دعم الأغلبية الجمهورية لتمرير أولوياته.

وتبرز ملفات الضرائب والإنفاق الحكومي والموازنة الفيدرالية وسقف الدين بوصفها ساحات محتملة للخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس، إذ يحتاج تمويل الحكومة إلى موافقة المجلسين، كما يتطلب إقرار كثير من التشريعات توافقًا أوسع داخل مجلس الشيوخ، حيث يمكن للأقلية استخدام آلية التعطيل البرلماني المعروفة باسم «الفيلبستر»، التي تجعل تمرير معظم التشريعات العادية بحاجة إلى 60 صوتًا لإنهاء النقاش.

وبذلك، تصبح المرحلة المقبلة مرشحة لمساومات سياسية متكررة، وقد تتحول الموازنة وتمويل المؤسسات الحكومية إلى أوراق ضغط متبادلة بين البيت الأبيض والكونغرس، بما يزيد احتمالات التعثر التشريعي والخلافات بشأن الإنفاق العام.

وتفرض الخريطة السياسية الجديدة على ترامب تغيير أسلوب تعامله مع الكونغرس، إذ لن يكون بمقدوره الاعتماد على الانضباط الحزبي للجمهوريين لتمرير مشروعاته، وسيحتاج في ملفات عديدة إلى التوصل لاتفاقات مع القيادات الديمقراطية أو استمالة بعض أعضاء الحزب المعارض.

وفي المقابل، سيحاول الديمقراطيون استثمار أغلبيتهم لطرح مشروعات تتعلق بتكاليف المعيشة والرعاية الصحية والتعريفات الجمركية والحد من صلاحيات الرئيس في بعض الملفات، حتى وإن اصطدمت هذه المشروعات بفيتو ترامب أو صعوبة تأمين الأصوات اللازمة لإقرارها نهائيًا.

ومن المرجح أيضًا أن ترتبط المواجهة بين الطرفين بالاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصًا الانتخابات الرئاسية لعام 2028، إذ سيحاول كل حزب تحميل الآخر مسؤولية أي تعثر في الملفات الاقتصادية والمالية والخدمية.

الحرب مع إيران واختبار صلاحيات الرئيس

ومن الملفات المرشحة لتكون محورًا للمواجهة بين ترامب والديمقراطيين الإنفاق الدفاعي وتمويل العمليات العسكرية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب مع إيران، إذ يمتلك الكونغرس سلطة إقرار الاعتمادات المالية ومراقبة أوجه إنفاق الأموال العامة.

وقد تصبح طلبات الإدارة للحصول على تمويل إضافي للعمليات العسكرية أو شراء الأسلحة والمعدات الدفاعية موضع نقاش ومساومة داخل الكونغرس، كما يمكن للديمقراطيين استخدام جلسات الاستماع وأدوات الرقابة البرلمانية لمساءلة الإدارة بشأن أهداف العمليات العسكرية وتكاليفها ومدى الحاجة إلى استمرارها.

ولا يعني ذلك أن الديمقراطيين يستطيعون إيقاف أي تحرك عسكري للرئيس بصورة تلقائية، إذ يتمتع ترامب بسلطات دستورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن استمرار العمليات وتمويلها يظلان مرتبطين إلى حد كبير بالتوازن بين صلاحيات البيت الأبيض وسلطة الكونغرس على الإنفاق.

وكانت وكالة «رويترز» قد أشارت في تحليلها السابق للانتخابات إلى أن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين ستمنحهم نفوذًا أكبر في مفاوضات الموازنة وسقف الدين، فضلًا عن قدرتهم على الضغط بشأن الصلاحيات الرئاسية المتعلقة بالحرب.

وعلى الرغم من القيود التشريعية الجديدة، سيظل ترامب محتفظًا بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، باعتباره رئيس السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يمنحه هامشًا للتحرك في ملفات العلاقات الدولية والدبلوماسية والقرارات التنفيذية المرتبطة بالأمن القومي.

لكن السياسة الخارجية لن تكون بمنأى عن تأثير الكونغرس؛ إذ يمتلك المجلسان أدوات مهمة للتأثير في القرارات الخارجية، من بينها إقرار التمويل العسكري والمساعدات الخارجية وممارسة الرقابة على العمليات العسكرية، فيما يتطلب التصديق على المعاهدات موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين.

وبالتالي، سيظل بإمكان ترامب اتخاذ قرارات تنفيذية وتحركات دبلوماسية ضمن صلاحيات الرئاسة، لكن استمرار العمليات العسكرية وتمويلها، وإقرار المساعدات والإنفاق الدفاعي، قد يفتح جبهات خلاف جديدة مع الأغلبية الديمقراطية.

هل يصبح ترامب «بطة عرجاء»؟

ورغم خسارة حزبه السيطرة على الكونغرس، لن يفقد ترامب سلطاته الدستورية كرئيس للولايات المتحدة، وسيظل قادرًا على إصدار الأوامر التنفيذية وإدارة الأجهزة الفيدرالية وتعيين مسؤولين في المناصب التي لا تتطلب موافقة مجلس الشيوخ، فضلًا عن ممارسة صلاحياته في السياسة الخارجية والأمن القومي.

وتعني هذه المعطيات أن خسارة الجمهوريين الأغلبية لن تشل الإدارة الأمريكية بالكامل، لكنها ستجعل تمرير التشريعات وتنفيذ بعض الأولويات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس أكثر صعوبة، مع احتمال اتساع الخلافات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وفي هذا السياق، يبرز مصطلح «البطة العرجاء» (Lame Duck)، المستخدم في السياسة الأمريكية لوصف رئيس أو مسؤول منتخب تتراجع قدرته على التأثير السياسي، خصوصًا عندما تقترب فترة بقائه في منصبه من نهايتها أو يفقد الدعم السياسي اللازم لتمرير أجندته.

ويرتبط انطباق هذا الوصف على وضع ترامب بعاملين رئيسيين؛ أولهما خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، بما يحرمه من الدعم التشريعي الذي كان يتمتع به، وثانيهما أن الدستور الأمريكي لا يسمح له بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، ما يجعل انتخابات 2028 محطة لاختيار خليفته، ويحول العامين المقبلين إلى المرحلة الأخيرة من رئاسته.