
مسقط - الشبيبة
تفتح الاستثمارات الصينية المتنامية في الهيدروجين الأخضر، والجهود الرامية إلى تحفيز الطلب الصناعي عليه، آفاقًا جديدة أمام سلطنة عُمان لتعزيز التعاون مع بكين في قطاعي الطاقة والتصنيع، إلى جانب خيارات تصدير الهيدروجين التي تعوّل عليها البلاد، وفق تقرير حديث اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة، ومقرّها واشنطن.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع زيارة الدولة التي أجراها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين، في وقت تعمل فيه بكين على تعزيز مكانتها في قطاع الهيدروجين العالمي. وتمثّل تجربتها، بالنسبة إلى سلطنة عُمان التي تطوّر قطاعًا للهيدروجين الأخضر يركز بقوة على التصدير، نموذجًا محتملًا لبناء طلب صناعي محلي بالتوازي مع المبيعات الخارجية.
برامج صينية لتحفيز استخدام الهيدروجين
واعتمدت الصين مؤخرًا برامج لتطوير الهيدروجين تمتد لأربع سنوات، وتشمل خمسة تجمعات مدنية إقليمية، مع حوافز حكومية مركزية تصل قيمتها إلى 8 مليارات يوان، أي ما يعادل نحو 1.2 مليار دولار، بحسب التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
وأعلنت السلطات الصينية هذه البرامج في أكتوبر 2026، لربط الدعم الحكومي بتوسيع تطبيقات الهيدروجين، بما يشمل العمليات الصناعية، والمركبات العاملة بخلايا الوقود، والبنية التحتية المرتبطة بها.
ويصل التمويل المخصص لكل تجمع مشارك إلى 1.6 مليار يوان، بما يعادل 240.7 مليون دولار، على مدى أربع سنوات، بهدف خفض تكلفة استخدام الهيدروجين وتشجيع اعتماده تجاريًا.
(اليوان الصيني = 0.15 دولار أميركي)
وتستهدف المبادرة معالجة إحدى أبرز العقبات أمام القطاع، والمتمثلة في توسع قدرات إنتاج الهيدروجين بوتيرة أسرع من نمو قاعدة العملاء المستعدين لشراء هذا الوقود بأسعار مجدية تجاريًا.
وتحتل الصين بالفعل موقعًا بارزًا في هذا المجال؛ إذ يشير تقرير «البوصلة العالمية للهيدروجين 2026»، الصادر عن «مجلس الهيدروجين»، إلى أنها أكبر سوق في العالم من حيث القدرة الإنتاجية الملتزم بها للهيدروجين المتجدد، مستحوذة على أكثر من نصف الإجمالي العالمي.
فرص التعاون بين عُمان والصين
وفي المقابل، خصصت سلطنة عُمان موارد أرضية واسعة لتطوير الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من إمكاناتها في الطاقة المتجددة، وبنيتها التحتية الصناعية، وموقعها الاستراتيجي المطل على مسارات الشحن الدولية، بهدف تأسيس قطاع تصديري تنافسي.
لكن إنتاج الهيدروجين على نطاق واسع لا يمثل سوى جانب من المعادلة؛ إذ يتطلب تطوير القطاع تأمين التمويل، وإنشاء البنية التحتية، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع مشترين مستعدين لتحمل تكاليف الوقود الأنظف.
وفي هذا السياق، تطرح استراتيجية الصين مسارًا آخر للتعاون في قطاع الهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان، وفق التقرير الذي نشرته منصة «عمان أوبزرفر» (Oman Observer).
ويتمثل هذا المسار في استكشاف فرص جذب الاستثمارات الصينية إلى الصناعات التي تستخدم الهيدروجين مدخلًا إنتاجيًا، بدلًا من حصر النظر إلى بكين باعتبارها وجهة مستقبلية للصادرات العُمانية. وتشمل هذه الصناعات الصلب منخفض الانبعاثات، والكيماويات، وغيرها من المنتجات المصنّعة.
ومن شأن هذه الاستثمارات أن تسهم في إيجاد طلب محلي داخل سلطنة عُمان، بالتوازي مع تطوير صادرات صناعية ذات قيمة مضافة أعلى.
كما يمكن للشركات الصينية تقديم إسهامات تقنية، وتوفير المعدات والخبرات التصنيعية اللازمة لسلسلة توريد الهيدروجين في السلطنة، بما في ذلك أجهزة التحليل الكهربائي والبنية التحتية المرتبطة بها.
وتزداد أهمية هذه الاحتمالات مع توسع الصين في قاعدتها المحلية لإنتاج الهيدروجين، وتطوير مشروعات أكبر تدعمها احتياجات القطاع الصناعي.
تحديات الطلب والصادرات
وفي الوقت نفسه، يفرض تنامي القدرة الإنتاجية للصين تحديًا تنافسيًا أمام سلطنة عُمان؛ فالدولة التي تزداد قدرتها على تلبية احتياجاتها الذاتية من الهيدروجين قد توفر فرصًا أقل للواردات، مقارنة بما قد يوحي به نمو نشاطها الصناعي وحده.
أما في أوروبا، فتواجه مشروعات الهيدروجين تحديات مختلفة، تشمل التأخير وارتفاع التكاليف وعدم اليقين بشأن تنفيذ السياسات الداعمة للطلب.
ورغم استمرار أوروبا بوصفها وجهة محتملة للهيدروجين ومشتقاته المنتجة في سلطنة عُمان، فإن وتيرة إبرام المشترين لعقود ملزمة ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد الآفاق التجارية للمشروعات الموجهة للتصدير.
وتبرز هذه التطورات المتباينة أهمية عدم الاعتماد حصرًا على توقعات الطلب الدولي عند اتخاذ قرارات الاستثمار المستقبلية؛ ففي حين تستخدم الصين حوافز عامة لتشجيع الاستهلاك، يسعى صناع السياسات في أوروبا إلى تحويل المتطلبات التنظيمية إلى طلب ذي جدوى تجارية.
ويتيح توقيت الزيارة الحالية فرصة لبحث سبل تطوير علاقة الطاقة الراسخة بين سلطنة عُمان والصين، وتوسيعها لتشمل مجالات تتجاوز الهيدروكربونات التقليدية.
ورغم عدم الإعلان عن اتفاقية محددة بشأن الهيدروجين خلال الزيارة، فإن التحولات في استراتيجية الطاقة الصينية تفتح مجالات للتعاون في قطاعات التقنية والتصنيع والاستثمار الصناعي والتبادل التجاري المستقبلي.
وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، قد لا تقتصر الفرصة طويلة المدى على تصدير الهيدروجين إلى الصين، بل تمتد إلى استقطاب الصناعات والتقنيات اللازمة لتحويل إنتاج الهيدروجين إلى قيمة اقتصادية أوسع، وفق ما أكده التقرير.