x

بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: غرفة تصنع الفرق.. كيف نقيس أثرها في اقتصاد محافظة الداخلية؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٦/أكتوبر/٢٠٢٦ ١١:٣٨ ص
بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: غرفة تصنع الفرق.. كيف نقيس أثرها في اقتصاد محافظة الداخلية؟
بدر بن عبدالله المحروقي

بقلم مستشار ريادة الأعمال : بدر بن عبدالله المحروقي الرئيس التنفيذي لشركة مهن للاستشارات المالية، الإدارية والاقتصادية

في المقالات الثلاثة السابقة من سلسلة «الداخلية تصنع مستقبلها»، تناولنا التحولات التي يشهدها الاقتصاد العُماني في ظل رؤية «عُمان 2040»، وما تتيحه من فرص لتعزيز دور القطاع الخاص في تنمية المحافظات. كما استعرضنا المزايا الاقتصادية المتنوعة لولايات محافظة الداخلية، وأهمية تحويلها إلى أنشطة مترابطة، ثم ناقشنا التحديات التي قد تواجه المستثمرين ورواد الأعمال في الانتقال من الفكرة إلى المشروع المنتج.

وتقودنا هذه الموضوعات إلى سؤال ربما يكون الأكثر أهمية: كيف نعرف أن جهود الغرفة في دعم الاقتصاد المحلي حققت نتائج حقيقية؟ وهل يكفي أن ننظر إلى عدد الأنشطة واللقاءات والمبادرات، أم ينبغي أن نبحث عن التغيير الذي أحدثته في بيئة الأعمال وأداء المؤسسات الاقتصادية؟

إن طرح هذا السؤال لا يقلل من أهمية الجهود التي تبذلها غرفة تجارة وصناعة عُمان وفروعها المختلفة، وإنما ينطلق من الحرص على تعزيز قيمتها الاقتصادية والمؤسسية، والبناء على منجزاتها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.

من قياس النشاط إلى قياس النتائج

تُعد اللقاءات والمنتديات والبعثات التجارية والبرامج التدريبية أدوات مهمة لخدمة مجتمع الأعمال، وتعزيز التواصل وتبادل المعرفة وفتح آفاق جديدة للتعاون. غير أن عدد هذه الأنشطة، مهما بلغ، لا يوضح وحده مدى انعكاسها على الاقتصاد المحلي.

فقد تنظم الغرفة لقاءً يجمع عشرات المؤسسات، لكن النتيجة الأهم تتمثل في العلاقات التجارية أو الشراكات التي نشأت عنه. وقد تقدم برنامجًا تدريبيًا لرواد الأعمال، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما ينعكس على تحسين إدارة مشروعاتهم أو تطوير منتجاتهم أو وصولهم إلى أسواق جديدة.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الأداء المؤسسي من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: ما تنفذه الغرفة من أنشطة وخدمات، وما ينتج عن هذه الأنشطة من فرص وشراكات وتحسينات، ثم ما يمكن رصده من تغيرات اقتصادية تسهم هذه الجهود في تحقيقها.

ولا يعني ذلك تحميل الغرفة مسؤولية جميع النتائج الاقتصادية في المحافظة، فالتنمية تتأثر بعوامل وسياسات ومؤسسات متعددة. لكن من الممكن تحديد المجالات التي تسهم فيها الغرفة بصورة مباشرة أو بالشراكة مع غيرها، ومتابعة نتائج تلك المساهمات بصورة موضوعية.

ما الذي ينبغي أن نعرفه عن اقتصاد المحافظة؟

قبل التفكير في قياس النتائج، نحتاج أولًا إلى معرفة اقتصادية دقيقة بواقع المحافظة. فمحافظة الداخلية لا تمثل سوقًا واحدة متجانسة؛ إذ تتباين الأنشطة الاقتصادية والفرص والتحديات بين ولاياتها، كما تختلف احتياجات المؤسسات بحسب حجمها وقطاعها ومرحلة تطورها.

ومن هنا تبرز أهمية وجود صورة اقتصادية محدثة تساعد على معرفة القطاعات الأكثر نشاطًا، وطبيعة المؤسسات القائمة، والفرص الواعدة، والتحديات المشتركة، ومستوى الترابط التجاري والإنتاجي بين الولايات.

ولا يتطلب ذلك بالضرورة إنشاء منظومات بيانات جديدة، وإنما يمكن البدء بتوظيف المعلومات المتاحة لدى الجهات المختصة، واستكمالها من خلال التواصل المنتظم مع أصحاب الأعمال، والاستفادة من الدراسات والبيانات الاقتصادية الوطنية.

ويمكن لفرع الغرفة بمحافظة الداخلية، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، أن يسهم في تطوير تقارير اقتصادية موجزة تُبرز الفرص والتحديات والأولويات، وتساعد على توجيه المبادرات نحو المجالات الأكثر احتياجًا وجدوى.

فالمعرفة الدقيقة بالاقتصاد المحلي ليست غاية بحثية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لاتخاذ قرارات أفضل، وتوجيه الجهود إلى الفرص التي يمكن أن تحقق نتائج ملموسة.

مؤشرات قليلة.. لكن ذات معنى

ليس المطلوب بناء قوائم طويلة من مؤشرات الأداء، وإنما اختيار مجموعة محدودة تعكس المجالات التي تستطيع الغرفة التأثير فيها.

ففي مجال تنمية الاستثمار، يمكن متابعة عدد الفرص التي جرى تطويرها إلى تصورات قابلة للدراسة، وما نتج عن جهود الربط والتنسيق من مشروعات أو شراكات استثمارية.

وفي مجال دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يمكن النظر إلى عدد المؤسسات التي تمكنت من الوصول إلى عملاء جدد، أو الدخول في سلاسل توريد، أو تطوير منتجاتها وخدماتها، أو بناء علاقات تجارية مستدامة.

أما في مجال تحسين بيئة الأعمال، فيمكن متابعة التحديات المشتركة التي جرى تحديدها ومعالجتها بالتعاون مع الجهات المختصة، ومدى رضا أصحاب الأعمال عن آليات التواصل والاستجابة.

وتظل جودة هذه المؤشرات مرتبطة بقدرتنا على التمييز بين النشاط والنتيجة؛ فتنظيم لقاء بين المستثمرين يُعد نشاطًا، أما بناء شراكة تجارية مستمرة نتيجة هذا اللقاء فهو نتيجة يمكن متابعتها.

ومن المهم كذلك أن تكون المؤشرات واقعية وقابلة للقياس، وأن تُستخدم لتطوير الأداء لا لمجرد عرض أرقام إيجابية. فقد تكون بعض المبادرات محدودة النتائج في بدايتها، لكن فهم أسباب ذلك يساعد على تحسين تصميمها وزيادة فاعليتها مستقبلًا.

شراكات تقوم على المسؤولية المشتركة

إن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب التنمية المحلية هو أن النتائج الاقتصادية المستدامة لا تتحقق بجهود جهة واحدة، وإنما من خلال تكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجهات التمويلية والتعليمية والمجتمع المحلي.

وفي محافظة الداخلية، يمكن تعزيز هذا التكامل من خلال شراكات محددة الأهداف، تتفق فيها الأطراف المعنية على طبيعة الفرصة أو التحدي، والدور الذي يستطيع كل طرف القيام به، والنتائج المتوقعة، وآلية متابعة التقدم.

فإذا كان الهدف تطوير مشاركة المؤسسات المحلية في النشاط السياحي، فإن دور الغرفة قد يتمثل في ربط المنشآت السياحية بالموردين ومقدمي الخدمات، بينما تتولى الجهات الأخرى أدوارها التنظيمية والفنية والتمويلية وفق اختصاصاتها.

وإذا كان الهدف دعم المشروعات الزراعية ذات القيمة المضافة، فقد يكون التركيز على جمع المنتجين والمصنعين والمسوقين والجهات الداعمة ضمن مبادرات مشتركة تعالج فجوات محددة في سلسلة الإنتاج والتسويق.

وهنا تصبح الشراكة أكثر من مجرد اتفاق للتعاون، لأنها ترتبط بأهداف واضحة يمكن متابعة التقدم نحوها.

من المبادرات المتفرقة إلى أولويات اقتصادية واضحة

إن تعدد الفرص والاحتياجات في محافظة الداخلية يجعل من الصعب التعامل معها جميعًا بالدرجة نفسها من الاهتمام. ولذلك، فإن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب ترتيب الأولويات، واختيار عدد محدود من المجالات التي يمكن للغرفة أن تضيف فيها قيمة واضحة خلال فترة زمنية معقولة.

وقد تكون البداية في تطوير الروابط بين المؤسسات السياحية والمنتجين المحليين، أو تعزيز مشاركة المشروعات الصغيرة في سلاسل التوريد الصناعية، أو تحسين الوصول إلى المعلومات الاستثمارية، أو بناء آلية منظمة لرصد التحديات المشتركة التي تواجه أصحاب الأعمال.

ولا تكمن أهمية هذه المجالات في كونها مشروعات كبيرة بالضرورة، وإنما في قابليتها للتنفيذ، وإمكان الاستفادة من نتائجها في تطوير مبادرات أخرى.

ومن المفيد أن يقوم هذا التوجه على الحوار المستمر مع أصحاب الأعمال في مختلف الولايات، بما يضمن أن تنبع الأولويات من الاحتياجات الفعلية، وأن تستفيد منها المؤسسات القائمة والمشروعات الناشئة على حد سواء.

كما يمكن أن تسهم المراجعة الدورية للنتائج في معرفة ما ينبغي الاستمرار فيه، وما يحتاج إلى تطوير، وما قد يكون من الأفضل إعادة النظر في جدواه.

غرفة المستقبل.. قيمة اقتصادية يلمسها المجتمع

إن مستقبل الدور التنموي لغرفة تجارة وصناعة عُمان لا يتحدد فقط بمدى تطور خدماتها أو قدرتها على استخدام التقنيات الحديثة، وإنما بمدى قدرتها على تحويل المعرفة والعلاقات المؤسسية إلى فرص اقتصادية وشراكات منتجة.

وفي محافظة الداخلية، تتوافر مقومات مهمة لبناء نموذج تنموي يرتكز على تكامل ولاياتها، والاستفادة من مواردها المتنوعة، وتعزيز مشاركة المؤسسات المحلية في الأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة.

ولكي يتحقق ذلك، نحتاج إلى الجمع بين فهم الواقع الاقتصادي، وتحديد الأولويات، وتيسير الشراكات، ومتابعة النتائج، مع استمرار الحوار بين الغرفة ومجتمع الأعمال والجهات المعنية بالتنمية.

فالغرفة الناجحة لا تكتفي بأن تكون حاضرة في المشهد الاقتصادي، وإنما تسعى إلى أن يكون لحضورها أثر واضح فيه؛ أثر يظهر في فرص جديدة، ومؤسسات أكثر قدرة على المنافسة، وشراكات أوسع، واقتصاد محلي أكثر تنوعًا واستدامة.

ولعل هذه هي الرسالة التي أردنا التأكيد عليها من خلال سلسلة «الداخلية تصنع مستقبلها»: أن التنمية لا تبدأ فقط من حجم ما نمتلكه من موارد وفرص، وإنما من قدرتنا على تنظيم الجهود، وتكامل الأدوار، وتحويل الإمكانات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

فالداخلية تمتلك مقومات المستقبل، ويبقى التحدي في كيفية تحويل هذه المقومات إلى فرص تنمو، ومؤسسات تزدهر، وقيمة اقتصادية تصل إلى مختلف ولايات المحافظة وأبنائها.

وهنا تتجسد قيمة الغرفة بوصفها شريكًا في التنمية، وجسرًا بين طموحات مجتمع الأعمال والفرص الاقتصادية الواعدة، ومؤسسة تسهم في صناعة المستقبل، لا الاكتفاء بمتابعة تحولاته.