x

بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: الداخلية ليست اقتصادًا واحدًا.. كيف تتكامل مزايا ولاياتها؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٦/أكتوبر/٢٠٢٦ ١١:٣٠ ص
بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: الداخلية ليست اقتصادًا واحدًا.. كيف تتكامل مزايا ولاياتها؟
بدر بن عبدالله المحروقي

بقلم مستشار ريادة الأعمال : بدر بن عبدالله المحروقي الرئيس التنفيذي لشركة مهن للاستشارات المالية، الإدارية والاقتصادية


عندما نتحدث عن التنمية الاقتصادية في محافظة الداخلية، فإننا نتحدث عن مساحة جغرافية واسعة، وتنوع غني في الموارد والأنشطة والمقومات الثقافية والطبيعية والبشرية. وربما تكمن إحدى أهم الفرص المستقبلية للمحافظة في هذا التنوع تحديدًا؛ إذ لا تمتلك جميع الولايات المزايا نفسها، ولا تحتاج بالضرورة إلى المشروعات ذاتها، وإنما يمكن لكل ولاية أن تؤدي دورًا اقتصاديًا مميزًا يتكامل مع أدوار الولايات الأخرى.

وفي المقال السابق، تناولنا أهمية تطور دور غرفة تجارة وصناعة عُمان لتصبح شريكًا أكثر فاعلية في التنمية الاقتصادية المحلية، لا يقتصر دورها على تمثيل القطاع الخاص، بل يمتد إلى اكتشاف الفرص وبناء الشراكات. وهنا يبرز سؤال أكثر ارتباطًا بواقع محافظة الداخلية: كيف يمكن تحويل المزايا المتنوعة لولايات المحافظة إلى اقتصاد محلي مترابط، تتكامل فيه المشروعات والأنشطة بدل أن تعمل بصورة منفصلة؟

من الميزة النسبية إلى القيمة الاقتصادية

تتمتع محافظة الداخلية بمجموعة من المزايا التي تجعلها مؤهلة لتطوير اقتصاد متنوع. فنزوى، باعتبارها المركز الإداري والتجاري والتعليمي للمحافظة، تمتلك مقومات مهمة لتطوير الخدمات المتخصصة وريادة الأعمال والاقتصاد المعرفي. وفي بهلاء، يمثل التراث التاريخي والحرف التقليدية قاعدة لتطوير السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية، بينما تمتلك الحمراء، بما تضمه من قرى تاريخية ومسارات جبلية ومقومات طبيعية، فرصًا واعدة في السياحة البيئية وسياحة المغامرات.

أما الجبل الأخضر، فيجمع بين السياحة النوعية والمنتجات الزراعية المتميزة، بما يتيح فرصًا في التصنيع الغذائي والتسويق وتطوير العلامات التجارية المحلية. وفي سمائل، تلتقي الأنشطة الزراعية والصناعية مع الموقع الاستراتيجي والارتباط الاقتصادي بمحافظة مسقط، فيما تمتلك أدم فرصًا مرتبطة بالأنشطة الخدمية والطاقة والفعاليات التراثية. كما تتوافر في بدبد وإزكي ومنح مقومات زراعية وثقافية وخدمية يمكن البناء عليها لتطوير أنشطة اقتصادية متخصصة.

غير أن وجود هذه المقومات لا يعني تلقائيًا تحقيق عائد اقتصادي مناسب منها. فالتراث لا يصبح نشاطًا اقتصاديًا مستدامًا لمجرد وجوده، والمنتج الزراعي المتميز لا يحقق بالضرورة أفضل عائد لمزارعه، والموقع الجغرافي الجيد لا يتحول إلى ميزة تنافسية دون خدمات واستثمارات وروابط اقتصادية فعالة.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك الميزة النسبية والقدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

الاقتصاد المحلي لا يتوقف عند حدود الولايات

لنتخيل مثلًا أن أحد المشروعات السياحية في الجبل الأخضر يعتمد في احتياجاته على منتجات زراعية محلية، وعلى خدمات نقل توفرها مؤسسة من نزوى، وعلى منتجات حرفية من بهلاء، وعلى خدمات تسويق رقمي تقدمها مؤسسة ناشئة في ولاية أخرى. في هذه الحالة، لا يقتصر أثر المشروع على موقعه الجغرافي، بل يمتد إلى مجموعة من الأنشطة والمؤسسات داخل المحافظة.

وينطبق المنطق نفسه على النشاط الزراعي في سمائل أو بدبد؛ إذ يمكن أن تتكامل مراحل الإنتاج مع التعبئة والتغليف والتخزين والنقل والتسويق، بدل أن ينتهي النشاط الاقتصادي عند بيع المحصول في صورته الأولية.

كما يمكن للأنشطة السياحية في نزوى وبهلاء والحمراء والجبل الأخضر ومنح أن تستفيد من تطوير مسارات سياحية متكاملة، تشجع الزائر على إطالة مدة إقامته، وتنويع إنفاقه بين الإيواء والمطاعم والأسواق والحرف والأنشطة الثقافية والترفيهية.

هذه الأمثلة لا تمثل مشروعات قائمة بالضرورة، وإنما توضح فرصًا يمكن دراستها وتطويرها. والفكرة الأساسية هنا أن القيمة الاقتصادية لا تتحقق فقط داخل المشروع الواحد، بل من خلال شبكة العلاقات التي تربطه بالمؤسسات والأنشطة الأخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن التنمية المتوازنة لا تعني توزيع المشروعات المتشابهة بالتساوي بين الولايات، وإنما تعني تمكين كل ولاية من الاستفادة من مزاياها، مع تعزيز الترابط الاقتصادي الذي يسمح بانتقال الفرص والعوائد بينها.

سلاسل القيمة.. فرصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة

يمثل تطوير سلاسل القيمة أحد المسارات الواعدة لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية. والمقصود بها مجموعة الأنشطة التي تضيف قيمة إلى المنتج أو الخدمة، بدءًا من توفير المدخلات والإنتاج، ومرورًا بالتصنيع والنقل والتسويق، وصولًا إلى المستهلك النهائي.

وفي محافظة الداخلية، يمكن تطبيق هذا المفهوم في قطاعات متعددة. ففي الزراعة، قد تكون الفرصة في تطوير أنشطة التصنيع والتعبئة والتسويق، وليس فقط زيادة الإنتاج. وفي السياحة، قد تكون القيمة الأكبر في ربط المنشآت السياحية بمؤسسات محلية تقدم خدمات وتجارب ومنتجات متنوعة. أما في الصناعة، فيمكن تعزيز مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بوصفها موردين ومقدمي خدمات للمشروعات الأكبر.

والأهمية هنا لا تقتصر على تحسين العائد الاقتصادي، بل تشمل أيضًا توسيع قاعدة المستفيدين من النشاط الإنتاجي، وتوفير فرص جديدة للشباب ورواد الأعمال، وتقليل اعتماد بعض المشروعات على موردين وخدمات من خارج المحافظة عندما تتوافر بدائل محلية قادرة على المنافسة.

غير أن بناء هذه الروابط يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمؤسسات القائمة، واحتياجات الأسواق، والفجوات في الخدمات والمهارات، والفرص التي يمكن تطويرها بالشراكة بين أكثر من طرف.

ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الغرفة؟

تستطيع غرفة تجارة وصناعة عُمان، من خلال فرعها بمحافظة الداخلية، أن تسهم في تطوير هذا التوجه عبر الانتقال من التعريف بالفرص الاقتصادية بصورة منفصلة إلى العمل على ربطها ببعضها.

ويمكن أن يبدأ ذلك بإعداد خريطة مبسطة للأنشطة الاقتصادية في ولايات المحافظة، توضح القطاعات الواعدة، والمؤسسات العاملة فيها، والخدمات التي تحتاجها، والفرص المتاحة لتطوير العلاقات التجارية والإنتاجية بينها، بالتعاون مع الجهات المختصة.

كما يمكن تنظيم لقاءات اقتصادية متخصصة تجمع مؤسسات تعمل في مراحل مختلفة من سلسلة القيمة الواحدة؛ مثل المنتجين الزراعيين وشركات التعبئة والتسويق والنقل، أو المنشآت السياحية ومقدمي الخدمات والمنتجات المحلية. فهذه اللقاءات قد تكون أكثر فاعلية عندما تستهدف بناء علاقات تجارية فعلية، وليس مجرد التعارف أو تبادل المعلومات.

ومن المهم كذلك الاستفادة من الجامعات والمؤسسات التعليمية بالمحافظة في تطوير الأفكار الاقتصادية ودراسات السوق والحلول الابتكارية، بما يعزز الصلة بين المعرفة والتطبيق، ويفتح مسارات جديدة لمشاركة الشباب في التنمية المحلية.

ولا يعني ذلك أن تتولى الغرفة تنفيذ المشروعات بنفسها، وإنما أن تسهم في تهيئة الظروف التي تساعد القطاع الخاص على اكتشاف فرص التكامل وتحويلها إلى شراكات قابلة للاستمرار.

من تنوع الموارد إلى اقتصاد متكامل

إن مستقبل التنمية الاقتصادية في محافظة الداخلية لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات الجديدة، وإنما بقدرة المحافظة على الاستفادة بصورة أفضل من مواردها ومؤسساتها القائمة، وبناء علاقات اقتصادية تسمح بانتقال المنافع بين مختلف ولاياتها.

فقد يكون المشروع الأكثر أهمية لولاية ما موجودًا في ولاية أخرى، إذا كان قادرًا على فتح سوق لمنتجاتها أو خلق طلب جديد على خدمات مؤسساتها. وقد تكون القيمة الكبرى لاستثمار جديد في عدد المشروعات الصغيرة التي تنمو حوله، وليس فقط في حجم رأس ماله أو عدد العاملين فيه.

ومن هنا، فإن التحدي ليس في أن تمتلك كل ولاية جميع الأنشطة الاقتصادية، بل في أن تمتلك كل ولاية دورًا واضحًا داخل اقتصاد محلي متكامل، قادر على النمو والمنافسة والاستدامة.

لكن تحديد الفرص وبناء الروابط الاقتصادية يمثلان بداية الطريق، وليس نهايته. فكثير من الأفكار الاستثمارية الواعدة قد تواجه صعوبات تتعلق بالتمويل أو الإجراءات أو المعلومات أو المهارات أو الوصول إلى الأسواق.

وهنا يبرز السؤال الذي نتناوله في المقال القادم: إذا كانت الفرص الاقتصادية متاحة، فما الذي يحول دون تحول بعضها إلى مشروعات ناجحة؟ وكيف يمكن للغرفة أن تساعد على تقليص المسافة بين الفكرة والاستثمار الفعلي؟