x

بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: من الرؤية الوطنية إلى الاقتصاد المحلي.. كيف تصبح الغرفة شريكًا في تنمية المحافظات؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٦/أكتوبر/٢٠٢٦ ١١:١١ ص
بدر بن عبدالله المحروقي يكتب للشبيبة: من الرؤية الوطنية إلى الاقتصاد المحلي.. كيف تصبح الغرفة شريكًا في تنمية المحافظات؟
بدر بن عبدالله المحروقي

بقلم مستشار ريادة الأعمال : بدر بن عبدالله المحروقي الرئيس التنفيذي لشركة مهن للاستشارات المالية، الإدارية والاقتصادية

تدخل سلطنة عُمان مرحلة مهمة من مسيرتها التنموية، تتزايد فيها أهمية التنويع الاقتصادي، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتطوير مساهمة المحافظات في النمو الاقتصادي. ولم تعد التنمية الاقتصادية تُقاس فقط بحجم الاستثمارات والمشروعات الكبرى على المستوى الوطني، وإنما أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بقدرة كل محافظة على استثمار مقوماتها، وتطوير أنشطتها الإنتاجية، وخلق فرص اقتصادية تستفيد منها المؤسسات المحلية والمجتمع.

وفي ظل مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وما تشهده السلطنة من توجهات لتعزيز اللامركزية وتمكين المحافظات، يبرز سؤال يستحق النقاش: كيف يمكن أن تتطور غرفة تجارة وصناعة عُمان، بفروعها المختلفة، من مؤسسة تمثل مصالح القطاع الخاص إلى شريك أكثر تأثيرًا في صناعة التنمية الاقتصادية المحلية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من إعادة تعريف دور الغرفة، بقدر ما تنطلق من البناء على ما حققته خلال العقود الماضية، وتطوير أدوات عملها بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية الجديدة. فالغرفة تمثل حلقة وصل مهمة بين مجتمع الأعمال والجهات الحكومية، وتسهم في طرح التحديات الاقتصادية، وتيسير التواصل، وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية. غير أن المرحلة المقبلة تتيح فرصة لتوسيع هذا الدور، بحيث يصبح أكثر ارتباطًا بالأولويات الاقتصادية للمحافظات وبالنتائج التي تتحقق على أرض الواقع.

من التنمية في المحافظات إلى التنمية بقيادة المحافظات

من التحولات المهمة في الفكر التنموي الحديث الانتقال من النظر إلى المحافظات باعتبارها مواقع لتنفيذ المشروعات والخدمات، إلى التعامل معها بوصفها وحدات اقتصادية تمتلك موارد ومزايا نسبية وفرصًا مختلفة للنمو.

وهذا التحول يحمل دلالة مهمة؛ فليس المطلوب أن تتنافس المحافظات على إنشاء الأنشطة والمشروعات نفسها، وإنما أن تكتشف كل محافظة المجالات التي تتمتع فيها بميزة حقيقية، ثم تعمل على تطويرها وربطها بالأسواق والاستثمارات والخدمات وسلاسل الإنتاج.

فالمحافظة التي تمتلك مقومات سياحية متميزة تحتاج إلى ما هو أبعد من إقامة منشآت الإيواء، إذ يتطلب تعظيم العائد الاقتصادي ربط النشاط السياحي بالمؤسسات المحلية والنقل والمطاعم والحرف والمنتجات الزراعية والخدمات الثقافية. وكذلك الحال بالنسبة للمحافظات التي تتميز بالزراعة أو الصناعة أو الخدمات اللوجستية؛ إذ لا تتحقق القيمة الاقتصادية الكاملة بمجرد توافر الموارد، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى منتجات وخدمات وفرص عمل مستدامة.

ومن هنا تتضح أهمية القطاع الخاص المحلي، بوصفه شريكًا أساسيًا في تحويل الإمكانات التنموية إلى مشروعات منتجة. كما تبرز أهمية فروع غرفة تجارة وصناعة عُمان في المحافظات، ليس فقط في نقل مطالب أصحاب الأعمال، وإنما في المساهمة في تحديد الفرص الاقتصادية، وفهم التحديات التي تواجه استثمارها، وبناء الشراكات اللازمة لتطويرها.

محافظة الداخلية.. نموذج للتنوع والتكامل الاقتصادي

تمثل محافظة الداخلية نموذجًا مهمًا لهذا التوجه، لما تتمتع به من موقع جغرافي متميز، وعمق تاريخي وثقافي، وموارد طبيعية وزراعية، وقاعدة تجارية وصناعية، إلى جانب مؤسسات تعليمية وخدمية تعزز إمكاناتها المستقبلية.

وتشير التوجهات الاستراتيجية للتنمية في المحافظة إلى أهمية تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وتطوير الخدمات، وتحقيق التنمية المتوازنة بين ولاياتها، مع الاستفادة من المزايا الاقتصادية والمكانية التي تتمتع بها كل ولاية.

فنزوى، بما تمتلكه من مركز اقتصادي وإداري وتعليمي، مؤهلة لتعزيز دورها في ريادة الأعمال والاقتصاد المعرفي. وتتمتع بهلاء والحمراء بمقومات سياحية وتراثية متميزة، بينما تفتح الموارد الزراعية في الجبل الأخضر فرصًا لتطوير منتجات وأنشطة ذات قيمة مضافة. وتتكامل المزايا الزراعية والصناعية لسمائل مع موقعها الجغرافي وارتباطها الاقتصادي بمسقط، إلى جانب الفرص المتنوعة التي تتمتع بها بقية ولايات المحافظة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا التنوع لا تكمن في تعدد الفرص بصورة منفصلة، بل في قدرتنا على بناء علاقات اقتصادية بينها. فنجاح مشروع سياحي قد يفتح سوقًا جديدة لمنتج زراعي محلي، وتطوير نشاط صناعي يمكن أن يخلق طلبًا على خدمات النقل والتخزين والصيانة، ونمو مؤسسة صغيرة قد يوفر فرصًا لمؤسسات محلية أخرى.

وهكذا تتحول التنمية من مجموعة مشروعات متفرقة إلى اقتصاد محلي مترابط، تتعزز فيه فرص النمو وتزداد قدرته على الاستدامة.

الغرفة شريك في اكتشاف الفرص وصناعة الروابط الاقتصادية

في هذا السياق، يمكن لفروع الغرفة أن تؤدي دورًا محوريًا عبر ثلاثة مسارات متكاملة.

يتمثل المسار الأول في تطوير المعرفة الاقتصادية المحلية. فالمستثمر لا يحتاج فقط إلى معرفة أن هناك فرصة في السياحة أو الزراعة أو الصناعة، وإنما يحتاج إلى معلومات تساعده على فهم حجم السوق، وطبيعة الطلب، والأنشطة القائمة، والتحديات المتوقعة، والفرص المتاحة للتكامل مع مشروعات أخرى.

ويمكن للغرفة، بالتعاون مع المؤسسات المختصة، أن تسهم في بناء هذه المعرفة وإتاحتها بصورة مبسطة وعملية، بما يساعد أصحاب الأعمال، وخصوصًا الشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، على اتخاذ قرارات استثمارية أكثر وعيًا.

أما المسار الثاني فيرتبط ببناء الشراكات الاقتصادية. فكثير من الفرص المحلية لا تحتاج بالضرورة إلى مستثمر كبير يبدأ مشروعًا جديدًا من الصفر، بقدر ما تحتاج إلى جمع عدد من المؤسسات المتكاملة، أو ربط موردين محليين بمشروعات قائمة، أو تطوير علاقات تجارية بين مؤسسات تعمل في ولايات وقطاعات مختلفة.

وهنا تستطيع الغرفة الاستفادة من شبكة علاقاتها وموقعها المؤسسي لتعزيز التواصل بين المستثمرين وأصحاب الأعمال والجهات الحكومية والمؤسسات الداعمة، بما يتيح تحويل الفرص الاقتصادية إلى مبادرات أكثر جاهزية للتنفيذ.

ويتعلق المسار الثالث بالمساهمة في تحسين بيئة الأعمال المحلية. فالتحديات التي تواجه المستثمر في إحدى الولايات قد تختلف عن تلك الموجودة في ولاية أخرى، سواء من حيث الإجراءات أو البنية الأساسية أو التمويل أو المهارات أو الوصول إلى الأسواق.

ومن خلال التواصل المنتظم مع أصحاب الأعمال، تستطيع الغرفة المساهمة في تحديد هذه التحديات وترتيبها حسب الأولوية، وطرح حلول عملية بالتنسيق مع الجهات المختصة، ومتابعة ما يتحقق من تقدم، مع احترام اختصاصات كل جهة ومسؤولياتها.

شراكة مؤسسية من أجل التنمية المحلية

إن الدور المقترح للغرفة لا يعني أن تحل محل الجهات الحكومية المختصة بالتخطيط أو الاستثمار أو التنمية، وإنما أن تعزز تكامل القطاع الخاص مع هذه الجهات، وأن تسهم في تحويل التوجهات الاقتصادية إلى فرص عملية تستجيب لاحتياجات السوق.

فنجاح التنمية المحلية يتطلب تضافر الأدوار؛ الحكومة تضع السياسات وتوفر الممكنات، والمؤسسات الاقتصادية والتمويلية تسهم في تهيئة البيئة المناسبة، والقطاع الخاص يستثمر وينتج ويوظف، بينما تستطيع الغرفة أن تؤدي دورًا مهمًا في الربط بين هذه الأطراف، ونقل المعرفة، وتيسير الشراكات، ومتابعة التحديات.

وفي محافظة الداخلية، تتوافر فرصة حقيقية لتطوير نموذج يقوم على توظيف التنوع الاقتصادي للولايات وتعزيز التكامل بينها، بما يجعل المحافظة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتوسيع مشاركة المؤسسات المحلية في النشاط الاقتصادي.

ولعل الخطوة الأولى في هذا المسار هي الاتفاق على أن مستقبل فروع الغرفة لا يرتبط فقط بحجم حضورها المؤسسي أو عدد الأنشطة التي تنفذها، وإنما بمدى قربها من احتياجات الاقتصاد المحلي، وقدرتها على الإسهام في تحويل هذه الاحتياجات إلى فرص وشراكات ونتائج ملموسة.

فغرفة المستقبل ليست فقط غرفة تمتلك أدوات وتقنيات حديثة، بل غرفة تعرف اقتصاد محافظتها، وتفهم إمكاناته، وتستمع لأصحاب الأعمال، وتساعد على بناء الروابط التي تجعل النمو الاقتصادي أكثر شمولًا واستدامة.

وإذا كان هذا هو الدور الذي نتطلع إليه، فإن السؤال التالي يصبح أكثر تحديدًا: أين تكمن الفرص الاقتصادية الحقيقية في محافظة الداخلية؟ وكيف يمكن تحويل المزايا المختلفة لولاياتها إلى منظومة اقتصادية متكاملة، يستفيد منها المستثمر ورائد الأعمال والمجتمع المحلي؟

ذلك ما نتناوله في المقال القادم.