x

عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: دلفين قنتب الوردي!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٨/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٧:٢٤ م
عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: دلفين قنتب الوردي!
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي

أثار مقطع فيديو قصير، جرى تصويره قبالة شاطئ قنتب في مسقط، اهتماماً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ ظهر فيه دلفين أبيض يميل لونه إلى الوردي بين مجموعة من الدلافين الداكنة. وسرعان ما تداولت منصات إخبارية نسخاً معدّلة، أُضيفت إليها لقطات لدلافين المحيطين الهندي والهادئ الحدباء (Indo-Pacific humpback dolphins)، واسمها العلمي «Sousa chinensis». وقد دفعتني الاختلافات الواضحة بين اللقطات إلى تفحّصها ومحاولة التحقق من هوية الدلافين في المشاهدة الأصلية.

وبمراجعة الصور، بدا لي أن المجموعة في الجزء الأصلي من الفيديو أقرب إلى دلافين ريسو (Risso’s dolphins)، واسمها العلمي «Grampus griseus». فالرأس المستدير، وعدم ظهور منقار بارز، وشكل الزعنفة الظهرية، سمات تدعم هذا الترجيح. ومع ذلك، يظل تحديد النوع من تسجيل بعيد بحاجة إلى تأكيد متخصص؛ فتحسين الصور لا يستعيد بالضرورة تفاصيل لم يسجلها الأصل، وقد يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل بعضها.

ودلفين ريسو، المعروف أيضاً بالدلفين الرمادي، من الدلافين المحيطية. يتميز بجسم متين ورأس مستدير وزعنفة ظهرية منجلية، ويختلف بذلك عن الدلفين قاروري الأنف ذي المنقار الواضح. ويتغذى أساساً على الحبار، ويصبح لون جسمه أفتح مع تقدمه في العمر، وتتراكم عليه خدوش وندوب، فتبدو المسنّة منها شبه بيضاء تقريباً. أما المسحة الوردية في اللقطات، فلا يكفي ظهورها لتحديد سببها أو تشخيص المهق.

ولمشاهدة دلفين ريسو أبيض سوابق معروفة؛ منها «كاسبر» (Casper)، الذي تتكرر مشاهدته مع مجموعته في خليج مونتيري بولاية كاليفورنيا الأمريكية. ومع شيوع وصفه بالأمهق، أشار فريق رصده إلى أن التمييز بين المهق ونقص التصبغ لم يكن محسومًا. وهذا مثال يوضح أهمية التوثيق، ولا يشخّص حالة دلفين قنتب.

كما أن ريسو ليس زائراً جديداً للمياه العُمانية؛ إذ تشير مراجعة علمية لحيتانيات شبه الجزيرة العربية إلى هيكلين جُمِعا في عُمان (Oman) عام ١٨٩١. وتؤكد دراسات لاحقة وجود النوع في بحر عُمان وبحر العرب، ومنها المياه العميقة والأخاديد البحرية قبالة مسقط. أما اعتبار الدلفين الأبيض أول حالة موثقة من نوعه في السلطنة، فيتطلب مراجعة السجلات لدى المختصين.

وما يستدعي النقد في تداول المشاهدة هو التلاعب بمحتوى الفيديو الأصلي. فبحسب المقارنة التي أجريتها، دمجت إحدى المنصات الإخبارية على إنستغرام مقطع قنتب بلقطات للسائحة الإيطالية فرانشيسكا كاون (Francesca Caon)، تظهر دلافين حدباء وردية اللون صوّرتها قبالة شاطىء خانوم (Khanom) في جنوب تايلاند (Thailand)، من دون توضيح اختلاف المكان والمصدر. وقد تناولت الصحافة الإيطالية مشاهدتها في أغسطس ٢٠٢٦، وعرّفت الدلافين بأنها من نوع دلافين المحيطين الهندي والهادئ الحدباء.

إن دمج المشاهدتين وتقديمهما باعتبارهما توثيقاً لمشاهدة واحدة يوهم الجمهور بأن هوية دلافين قنتب قد حُسمت، كما روّجت المنصات. وهذا عرض مضلل يستوجب التصحيح والتوضيح والمساءلة، والتحقق مما إذا كان التضليل متعمداً. فقد باتت رائحة المتاجرة بالإثارة تزكم الأنوف، وحريّ بالجهات الرقابية في وزارة الإعلام التحقق من هذه الممارسات، وإلزام المنصات المخالفة بتصحيح ما تنشره من معلومات مضللة، وتطبيق ما تقرره القوانين من عقوبات متى ثبتت المخالفة. فثقة الجمهور ليست سلعة لحصد المشاهدات والإعلانات.

وتبقى قيمة المشاهدة في توثيق تنوعنا البحري بالأدلة العلمية، لا في التسرع بإطلاق الأوصاف. والمطلوب حفظ التسجيل الأصلي وبيانات مكانه وتوقيته وإتاحته للباحثين، مع توثيق أي مشاهدة لاحقة من مسافة آمنة. ولعل دلفين قنتب يستحق اسماً يقرّبه من الناس ويشجع حمايته؛ فأي اسم تقترحون له؟

- لقطات محسّنة رقمياً من فيديو صُوّر قبالة شاطئ قنتب، تُظهر دلفيناً أبيض مائلاً للوردي يسبح مع دلافين داكنة اللون من نوع ريسو (Risso’s dolphins) . وقد تساعد العلامة الداكنة على جسمه على التعرّف عليه في المشاهدات المقبلة.

- تشكّل دلافين ريسو مجموعات صغيرة تضم ما بين ٧ و١٥ دلفينا، غالباً ما تتباعد عن بعضها أثناء البحث عن الغذاء. وتتغذى أساساً على الحبار ، وأحياناً على الأسماك الصغيرة.