x

عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: اتركوا لنا قواقعنا… وخذوا نفاياتكم معكم!

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٤/أكتوبر/٢٠٢٦ ٢٢:١٧ م
عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: اتركوا لنا قواقعنا… وخذوا نفاياتكم معكم!
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي 

على شاطئ قرية بِمّة بولاية قريات، وثّق يوسف الغداني، أحد هواة التخييم الشاطئي، تجمعاً ليلياً كبيراً للشناجيب الناسكة، ونشر المقطع في صفحته على إنستغرام. مشهد يكشف جانباً من حياة كائنات صغيرة نمرّ بجوارها دون أن ننتبه إلى عالمها، لكن ما استوقفني أكثر كان اتخاذ بعضها أغطية بلاستيكية مساكن تحملها على ظهورها!

والشنجوب الناسك، المعروف بالإنجليزية باسم Hermit crab، ليس حلزوناً داخل قوقعته، بل سرطان صغير يتميز ببطن رخو يحتاج إلى الحماية، فيتخذ من قوقعة حلزون فارغة درعاً وصومعة متنقلة. يجد هذه القواقع بين الصخور وعلى الشاطئ، ومنها ما تقذف به الأمواج، ويستبدلها بأخرى تناسب حجمه مع نموه. فهي مسكن مستعار وليست جزءاً من جسمه، واختلاف أشكالها لا يعني بالضرورة اختلاف أنواع ساكنيها.

وتتعدد تسمياته الشعبية؛ فإلى جانب «الشنجوب» في مسقط، يُعرف، بحسب التسميات المحلية المتداولة، بـ«حاشوك» في ظفار، و«طفطيف» في مصيرة، و«دراج» في قريات، و«دروي» في الباطنة. وهي أسماء قد تشمل أنواعاً مختلفة. ويُرجَّح بصرياً أن شناجيب بِمّة من النوع Coenobita scaevola، الموثّق علمياً في السلطنة، على أن يؤكد المختصون هذا التحديد.

أما التجمع لاستبدال القواقع فسلوك طبيعي موثّق، يُعرف باسم «سلاسل شغور القواقع». عندما ينتقل شنجوب إلى قوقعة أنسب، يترك مسكنه لآخر يناسب حجمه، ويترك الثاني قوقعته لثالث، وهكذا؛ فتتيح قوقعة واحدة تحسين مساكن عدد منها. وقد تتجمع الشناجيب وتنتظر، وتنتظم بحسب أحجامها قبل الانتقال. ووثّقت دراسات هذه «الأسواق السكنية» لدى أنواع برية وبحرية، ومنها تجمعات بجزيرة أسينارا الإيطالية. ويتسق مشهد بِمّة مع هذا السلوك، وإن كان تأكيد غرض التجمع يتطلب رصد التبادل فعلياً.

إذن، ليس تجمع الشناجيب هو ما يدعو للقلق، بل وصول نفاياتنا إلى مساكنها. ومع أن حمل بعضها أغطية بلاستيكية لا يثبت وحده شحّ القواقع أو أن جمعها للتذكار هو السبب، فإنه يستحق الدراسة: كم منها يستخدم المخلفات؟ وهل توفر له حماية مناسبة؟

وقد وثّقت دراسة منشورة عام ٢٠٢٤ مئات الصور لشناجيب تستخدم مساكن صناعية، غالبيتها أغطية بلاستيكية. وهناك خطر آخر مختلف: دخولها زجاجات وعبوات مهملة تعجز عن الخروج منها، فتتحول إلى مصائد قاتلة. لذلك يجب التمييز بين استخدام غطاء مأوى والاحتجاز داخل عبوة؛ فليس كل شنجوب يحمل البلاستيك محكوماً عليه بالموت.

وفي أوكيناوا اليابانية، تشجع مبادرة «Make The Switch 4 Nature» حماية الشناجيب بترك القواقع وإزالة المخلفات. وفي سنغافورة، تستعين مادة تعليمية تابعة لوزارة التعليم بقصة شنجوب يحتمي بغطاء زجاجة لتوصيل الرسالة نفسها. أفكار بسيطة تصلح لمدارسنا ولوحات مواقع التخييم.

ويستحق يوسف الغداني الشكر على توثيقه. ولأهالي بِمّة وقريات ومرتادي الشواطئ دور في مساندة الجهات المختصة، بالإبلاغ عن المخلفات وتنظيفها، وفحص العبوات لاحتمال وجود كائنات داخلها، وعدم انتزاع الشناجيب من مساكنها بالقوة. وعلى الجهات المعنية توفير مرافق جمع النفايات ومتابعة مصادر التلوث؛ فانتظار الدراسات لا يبرر ترك القمامة أمامنا.

وحماية هذه الكائنات ليست ترفاً؛ فهي جزء من حياة الساحل وثروته الطبيعية، ومسؤوليتنا أن نمنحها فرصة البقاء في بيئة سليمة، لا أن نفرض عليها التكيف مع إهمالنا.

فالقوقعة التي نأخذها للزينة قد تكون بيتاً يحتاج إليه كائن حي، والعبوة التي نتركها قد تصبح فخاً له. ولو نطقت الشناجيب لقالت: «اتركوا لنا قواقعنا… وخذوا نفاياتكم معكم!»

الصور والفيديو: يوسف الغداني، من صفحته على إنستغرام.