x

سالم الحبسي يكتب للشبيبة: خليجي 27.. حين تخسر كرة القدم أمام ميكروفونات التراشق

مقالات رأي و تحليلات السبت ٢٦/سبتمبر/٢٠٢٦ ٠٩:٣٩ ص
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: خليجي 27.. حين تخسر كرة القدم أمام ميكروفونات التراشق
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي 

في البطولات الخليجية، لا تحتاج كرة القدم إلى كثير من الوقود كي تشتعل المدرجات. يكفي هدف، أو قرار تحكيمي، أو تصريح عابر حتى تتحول المنافسة الرياضية إلى حديث عام يتجاوز حدود الملعب.

وهذا جزء من سحر كأس الخليج.

لكن ثمة فارقًا دقيقًا بين التنافس الذي يمنح البطولة روحها، وبين التراشق الذي يستهلك روحها.

وفي خليجي 27، بدا أن بعض المنابر الإعلامية تنجرف أحيانًا نحو النوع الثاني؛ حيث تتقدم القضايا الهامشية على جوهر اللعبة، ويصبح التصريح أهم من المباراة، والرد على التصريح أهم من التحليل، والبحث عن الانتصار في النقاش أهم من البحث عن الحقيقة.

ولعل ملف التجنيس هو المثال الأكثر وضوحًا.

ليس المطلوب أن نضع هذا الملف في منطقة محرمة، ولا أن نطلب من الإعلام أن يتجاهله. على العكس، هو ملف رياضي يستحق النقاش الهادئ: ما المعايير التي تحكم تمثيل اللاعب للمنتخب؟ ما أثر الاستعانة بلاعبين من خارج البيئة الكروية المحلية؟ وهل يؤدي ذلك إلى تطوير المنتخب على المدى الطويل أم إلى معالجة احتياجات آنية؟ وكيف يمكن التوفيق بين حق المنتخبات في المنافسة وبين ضرورة بناء اللاعب المحلي؟

هذه أسئلة مشروعة.

لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول من نقاش في السياسات الرياضية إلى محاكمة لهوية منتخب أو تشكيك في وطنية لاعب.

فاللاعب الذي يحمل جنسية الدولة وفق قوانينها ولوائح المنافسات ليس هو الجهة التي ينبغي أن يدفعها الإعلام إلى قفص الاتهام. وإذا كان ثمة اعتراض، فإن مكانه الطبيعي هو عند اللوائح، ومعايير التجنيس، وسياسات الاتحادات، وبرامج تطوير المواهب، لا عند كرامة اللاعب أو انتمائه.

وهنا تقع مسؤولية الإعلام الرياضي.

الإعلام المهني لا يسأل فقط: «من استفاد؟»

بل يسأل: «ما السياسة التي صنعت هذه الحالة؟ وما نتائجها؟ وإلى أين تقود؟»

الفرق بين السؤالين كبير.

فالأول ينتج مشادة.

أما الثاني فينتج نقاشًا.

المشكلة ليست في الاختلاف.. بل في طريقة الاختلاف

الخليج عرف المنافسة الكروية قبل أن يعرف مصطلحات السوشيال ميديا. كانت هناك حساسيات رياضية، ومنافسات تاريخية، وتعليقات ساخرة، واحتفالات، واحتكاكات بين الجماهير. لكن مساحة الخلاف كانت في الغالب تعود إلى ملعب كرة القدم.

اليوم تغير المشهد.

أصبح التصريح مادة قابلة للتداول خلال دقائق، وأصبح المقطع القصير قادرًا على اقتطاع جملة من سياق كامل، ثم تحويلها إلى قضية رأي عام. وأصبح بعض البرامج يجد في الصدام نفسه منتجًا إعلاميًا.

وهنا تكمن المعضلة.

حين يتحول الاستديو الرياضي إلى حلبة، يصبح ارتفاع الصوت بديلًا عن قوة الحجة، وتصبح سرعة الرد معيارًا للانتصار، ويتراجع التحليل الفني لمصلحة «من قال ماذا؟».

وقد شهدت الأيام المحيطة بخليجي 27 نماذج من هذا النوع؛ من الجدل حول التذاكر وتصريحات مرتبطة بجدة، إلى سجالات حول قوائم المنتخبات وأداء اللاعبين، وصولًا إلى إعادة فتح ملف التجنيس بقوة بعد مباراة الإمارات واليمن. (Goal⁠)

كل هذه القضايا قابلة للنقاش.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على الإعلام الخليجي هو:

هل نحن نناقش كرة القدم، أم نناقش بعضنا بعضًا من خلال كرة القدم؟

التجنيس.. ملف رياضي لا منصة لتبادل الاتهامات

التجنيس ليس ظاهرة تخص منتخبًا خليجيًا واحدًا، ولا يمكن اختزاله في بطولة واحدة.

وهو في الأصل جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها قوانين الجنسية، ولوائح الاتحادات الدولية، وسياسات الاتحادات المحلية، وأهداف المنتخبات، واستراتيجيات تطوير المواهب.

ولهذا فإن التعامل معه بمنطق «نحن وهم» يختصر قضية معقدة في شعار.

قد يرى اتحاد رياضي أن الاستعانة بلاعب مؤهل قانونيًا تساعد منتخبه على رفع مستوى المنافسة. وقد يرى آخرون أن الإفراط في هذا النهج قد يضعف فرص اللاعب المحلي. كلا الرأيين يمكن مناقشتهما بالأرقام والوقائع، وليس بالصراخ.

بل إن السؤال الأكثر أهمية ربما ليس:

كم لاعبًا مجنسًا في هذا المنتخب؟

بل:

كم لاعبًا محليًا يستطيع هذا النظام إنتاجه خلال السنوات العشر المقبلة؟

هنا يصبح النقاش أكثر فائدة.

لأن المنتخب لا يُبنى في سوق الانتقالات، ولا في أيام البطولات، ولا أمام الكاميرات.

المنتخب يُبنى في الأكاديميات، ومراكز التكوين، ودوريات الفئات السنية، وجودة المدربين، وعدالة اكتشاف المواهب، وعدد دقائق اللعب التي يحصل عليها اللاعب المحلي، وفي البيئة التي تمنحه فرصة المنافسة.

ولهذا فإن اختزال قضية التجنيس في المزايدة الإعلامية قد يكون، paradoxically، طريقة للهروب من السؤال الحقيقي.

حين تصبح الوطنية أداة في نقاش رياضي

هناك خط أحمر آخر ينبغي أن ينتبه إليه الإعلام.

كرة القدم تمثل الدول، نعم.

لكن اللاعب ليس بيانًا سياسيًا.

ليس من المهنية أن يتحول النقاش حول اختياره إلى اختبار لوطنيته، أو أن يصبح أصله العرقي أو مكان ولادته مادة للسخرية، أو أن يُعامل كأنه مسؤول عن سياسة اتحاد أو حكومة.

اللاعب يلعب وفق اللوائح التي تحكم البطولة.

أما تقييم اللوائح والسياسات، فهو شأن المؤسسات والإعلام والباحثين والمتخصصين.

وهذا الفصل مهم جدًا.

لأن الإعلام عندما يخلط بين نقد السياسة الرياضية واستهداف الفرد، فإنه لا يصبح أكثر وطنية؛ يصبح فقط أقل مهنية.

الإعلام الخليجي قادر على أكثر من ذلك

الخليج يملك تاريخًا رياضيًا وإعلاميًا كبيرًا، ويملك كوادر تستطيع أن تقدم نقاشًا يتجاوز الإثارة السهلة.

نريد أن نسمع في الاستديو:

لماذا تراجع إنتاج المهاجم المحلي؟

كيف يمكن رفع جودة مسابقات الفئات السنية؟

ما النموذج الأفضل لاكتشاف المواهب؟

ما أثر زيادة المحترفين على دقائق لعب اللاعب الوطني؟

هل نجحت سياسات التجنيس في تحقيق أهدافها المعلنة؟

ما الذي تقوله الأرقام؟

وما الذي تقوله التجارب السابقة؟

هذه الأسئلة أصعب من تبادل الاتهامات، لكنها أكثر احترامًا لعقل المشاهد.

الإعلام الرياضي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون هادئًا طوال الوقت؛ لكنه يحتاج أن يكون منضبطًا حتى عندما يكون غاضبًا.

يمكن أن يكون حادًا دون أن يكون جارحًا.

ويمكن أن ينتقد دون أن يهين.

ويمكن أن يختلف دون أن يحول الخصم الرياضي إلى خصم اجتماعي.

خليجي.. لا «حرب ميكروفونات»

أجمل ما في كأس الخليج أنها بطولة تجمع الجيرة قبل أن تجمع المنتخبات.

هذه البطولة قامت تاريخيًا على التنافس، لكنها قامت أيضًا على اللقاء.

وإذا كان من الطبيعي أن يسعى كل منتخب إلى الفوز، فمن غير الطبيعي أن يصبح كل اختلاف مدخلًا إلى خصومة إعلامية بين الشعوب.

المنافسة تنتهي مع صافرة الحكم.

أما الكلمة الإعلامية فقد تبقى أطول من المباراة.

ولهذا فإن المسؤولية أكبر على من يحمل الميكروفون ممن يحمل القميص.

فاللاعب يستطيع أن يخطئ في تمريرة، وقد يخسر مباراة.

أما الإعلامي، فإذا أخطأ في توصيف قضية أو أشعل خصومة بلا ضرورة، فقد يترك أثرًا لا ينتهي بانتهاء التسعين دقيقة.

خليجي 27 فرصة لأن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:

هل نريد إعلامًا رياضيًا يربح المشاهد بالضجيج، أم إعلامًا يربح احترام المشاهد بالحجة؟

الاختيار هنا ليس بين منتخب وآخر.

ولا بين دولة وأخرى.

إنه اختيار بين مدرستين في الإعلام.

مدرسة ترى أن البطولة فرصة لإشعال الخلافات الصغيرة وتضخيمها.

ومدرسة ترى أن البطولة فرصة لفهم كرة القدم الخليجية، ومناقشة مشكلاتها، والاحتفاء بمواهبها، واحترام جماهيرها.

وفي النهاية، ستنتهي خليجي 27 كما انتهت كل البطولات: سيُرفع الكأس، وستُغلق الملاعب أبوابها، وستعود المنتخبات إلى بلدانها.

لكن السؤال الذي سيبقى ليس فقط:

من فاز بالكأس؟

بل أيضًا:

ماذا تركنا نحن، كإعلام، في ذاكرة هذه البطولة؟

فالكأس لها بطل واحد.

أما الإعلام، فبإمكانه أن يجعل البطولة كلها رابحة.

*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي