x

الحرارة والرطوبة تدخل الملعب.. هل يصبح مناخ جدة «اللاعب التاسع» في خليجي 27؟

الجماهير الخميس ٢٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ٢٣:٥٨ م
الحرارة والرطوبة تدخل الملعب.. هل يصبح مناخ جدة «اللاعب التاسع» في خليجي 27؟
صورة أرشيفية

تقرير : سالم الحبسي 

في كرة القدم، هناك 22 لاعبًا داخل الملعب، وحكمان، ومدربان على الخط، وجماهير تصنع الضجيج.

لكن في خليجي 27 المقامة في جدة، هناك لاعب آخر لا يرتدي قميصًا ولا يحمل رقمًا: المناخ.

فعندما تشير التوقعات إلى بلوغ الحرارة نحو 31 درجة مئوية مع رطوبة نسبية تصل إلى 85% خلال إحدى مباريات البطولة المسائية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى قدرة اللاعبين على تحمل الأجواء، بل بكيف يمكن لهذه الظروف أن تغير سرعة المباراة، حجم الركض، الضغط العالي، الانطلاقات، التركيز وجودة القرارات في الدقائق الأخيرة. 

وتقدم جدة، التي تستضيف البطولة بين 23 سبتمبر و6 أكتوبر 2026، نموذجًا مثيرًا لدراسة العلاقة بين كرة القدم والبيئة الحرارية. 

31°C + 85% رطوبة.. المعادلة التي لا تظهر على لوحة النتيجة

درجة الحرارة ليست القصة كاملة.

في الأجواء الحارة، يعتمد الجسم على تبخر العرق لتبريد نفسه. وكلما ارتفعت الرطوبة، أصبح تبخر العرق أكثر صعوبة، وبالتالي تقل كفاءة نظام التبريد الطبيعي للجسم.

ولهذا فإن مباراة تُلعب في 31 درجة مئوية ورطوبة 85% ليست فسيولوجيًا مجرد مباراة في درجة حرارة 31 درجة.

إنها بيئة تضع الجهاز الحراري للاعب تحت ضغط إضافي.

وهنا تكمن أهمية ما يحدث في جدة: الحرارة والرطوبة تعملان معًا، وليس كل عامل بمعزل عن الآخر.

الدليل من الملعب.. الحرارة يمكن أن تغيّر حجم الركض

في دراسة منشورة عبر قاعدة البيانات الطبية العالمية PubMed، خضع لاعبو كرة قدم لاختبارات خلال مباريات في ظروف حرارية مختلفة.

عند حرارة تقارب 34°C ورطوبة 38%، قطع اللاعبون في المتوسط نحو 4,386 مترًا في الشوط الأول و4,227 مترًا في الشوط الثاني.

لكن عندما ارتفعت الظروف إلى نحو 36°C ورطوبة 61%، انخفضت المسافة في الشوط الثاني إلى نحو 3,761 مترًا.

أي أن الفارق بين الشوطين أصبح أكثر وضوحًا مع ارتفاع الإجهاد الحراري. كما ارتفعت درجة حرارة الجسم المركزية القصوى من نحو 39.1°C إلى 39.6°C. 

وهذه ليست مجرد أرقام مختبرية.

إنها تعني، على أرض الملعب، احتمال رؤية فريق يبدأ المباراة بضغط عالٍ وسرعة كبيرة، ثم يضطر تدريجيًا إلى إدارة الطاقة بدلًا من استنزافها.

المفاجأة الأكبر: 

الشوط الثاني قد يكون مختبر البطولة

كرة القدم الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الضغط، والتحولات السريعة، والانطلاقات المتكررة.

لكن هذه الأسلحة تحتاج إلى طاقة.

ومع ارتفاع الحمل الحراري، يمكن أن يصبح الحفاظ على نفس الكثافة البدنية طوال 90 دقيقة أكثر صعوبة.

دراسة حديثة حللت بيانات 57 مباراة من كأس العالم للأندية 2025، بإجمالي 1,070 ملاحظة للاعبين، ووجدت أن ارتفاع مؤشرات الحرارة مثل WBGT ودرجة حرارة الهواء ارتبط بانخفاض المسافات التي يقطعها اللاعبون بسرعات مختلفة.

والأكثر أهمية أن الرطوبة ارتبطت أيضًا بانخفاض المسافة المقطوعة بسرعات عالية. 

الدراسة نفسها وجدت أن أكثر من نصف المباريات التي تم تحليلها، 31 من أصل 57 مباراة، تجاوز فيها متوسط مؤشر الحرارة الرطبة WBGT مستوى 28°C، وهو مؤشر مهم لتقييم الإجهاد الحراري. 

من يملك الطاقة.. ومن يملك المباراة؟

هنا تتحول المسألة من علم وظائف الأعضاء إلى كرة قدم.

الفريق الذي يضغط باستمرار يحتاج إلى تكرار الجري عالي الشدة.

والفريق الذي يدافع بكتلة منخفضة يحتاج إلى تركيز مستمر.

والفريق الذي يعتمد على التحولات يحتاج إلى الانطلاق في اللحظة المناسبة.

وفي جميع الحالات، الإجهاد الحراري يمكن أن يجعل المحافظة على نفس الإيقاع طوال المباراة أكثر تكلفة بدنيًا.

وهذا لا يعني أن الحرارة ستحدد نتيجة المباراة.

بل يعني أن المناخ قد يصبح عاملًا إضافيًا يدخل في الحسابات التكتيكية إلى جانب جودة اللاعبين، اللياقة، التنظيم، العمق في دكة البدلاء، والاستعداد البدني.

العرق ليس دائمًا تبريدًا.. 

أحيانًا يتحول إلى خسارة

في الظروف الحارة والرطبة، يفقد اللاعب السوائل عبر العرق.

وفي دراسة أجريت خلال مباريات فعلية في بيئة بلغت فيها الحرارة نحو 30.8°C والرطوبة 82%، تمت متابعة 42 لاعب كرة قدم.

وجد الباحثون علاقة بين مؤشرات الجفاف والتغير في أداء العدو، وأكدوا أن القياسات الموضوعية لحالة الترطيب كانت أكثر فائدة في تفسير أداء السرعة من الإحساس الذاتي بالعطش. 

وهنا تظهر مشكلة مهمة:

اللاعب قد لا يشعر بحجم المشكلة قبل أن تبدأ الأرقام بالظهور في الملعب.

فالانخفاض البسيط في سرعة الانطلاق قد يبدو للمتفرج كأنه قرار تكتيكي، أو تراجع في الحماس، أو إرهاق عادي.

لكن خلفه قد يكون هناك ببساطة عبء حراري وفسيولوجي متراكم.

والعقل أيضًا داخل المعركة

الحديث عن الحرارة لا يجب أن يتوقف عند الركض.

كرة القدم ليست سباقًا فقط.

إنها لعبة قرارات.

متى تمرر؟

متى تضغط؟

هل تخرج من خطك؟

هل تخاطر بالتمريرة العمودية؟

هل تتابع لاعبك حتى النهاية؟

الدراسات التي تناولت تأثير الحرارة والجهد على لاعبي كرة القدم بحثت أيضًا في الوظائف الإدراكية.

إحدى الدراسات وجدت أن الارتفاع في درجة حرارة الجسم المركزية كان من العوامل المرتبطة بالأداء المعرفي أثناء الجهد في الحرارة، مع ملاحظة أن الجفاف المعتدل حتى نحو 2.5% من وزن الجسم لم يُظهر في تلك الدراسة تأثيرًا واضحًا ومستقلًا على الوظائف المعرفية. 

وهذه نقطة مهمة جدًا:

العلاقة بين الحرارة والتركيز ليست معادلة بسيطة من نوع “كلما زادت الحرارة قل التركيز”.

هناك شبكة أكثر تعقيدًا تشمل درجة حرارة الجسم، السوائل، الجلوكوز، التبريد، شدة الجهد، ومدة التعرض.

جدة ليست متساوية على الجميع

هنا يدخل عامل آخر: التأقلم الحراري.

اللاعب الذي يتدرب ويلعب باستمرار في أجواء حارة ورطبة قد يتعامل مع الحمل الحراري بصورة مختلفة عن لاعب معتاد على بيئة باردة او اقل حرارة ورطوبة 

لكن هذا لا يعني أن لاعبًا خليجيًا سيكون “محصنًا” من الحرارة.

بل إن الدراسة الحديثة على كأس العالم للأندية وجدت أن الأصل الجغرافي للنادي كان أحد العوامل المرتبطة بالأداء، إلى جانب العمر، المركز، وقت المباراة والظروف المناخية. 

أي أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد:

منتخب خليجي = لا يتأثر بالحرارة.

المناخ قد يغيّر شكل المباراة.. 

وليس فقط سرعتها

في الظروف الحرارية الصعبة، يمكن أن تتغير شخصية المباراة.

قد نشاهد:

* ضغطًا أقل استمرارية.

* فترات أطول من الاستحواذ الآمن.

* انخفاضًا في تكرار الانطلاقات عالية السرعة.

* اعتمادًا أكبر على التبديلات.

* إدارة أكبر للجهد في الشوط الأول.

* ظهور الفوارق البدنية بصورة أوضح في آخر 20 دقيقة.

* زيادة أهمية الكرات الثابتة واللحظات الفردية.

لكن يجب التمييز بين التأثير المحتمل والنتيجة الحتمية.

فالمناخ لا يسجل الأهداف.

ولا يحدد وحده الفائز.

إنما يستطيع أن يغير الكلفة البدنية والتكتيكية للوصول إلى الهدف.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الدقيقة 60

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة في خليجي 27 ليس:

من بدأ المباراة بشكل أقوى؟

بل:

من يستطيع الاحتفاظ بنفس الجودة عندما ترتفع الفاتورة الحرارية؟

ففي كرة القدم، قد لا يظهر الفرق المناخي في الدقيقة العاشرة.

قد يظهر في الدقيقة 65.

قد يظهر في لاعب فقد نصف خطوة في سباق.

في جناح لم يعد قادرًا على تكرار الانطلاق.

في لاعب وسط تأخر جزءًا من الثانية في اتخاذ القرار.

أو في مدافع لم يعد قادرًا على الخروج بالسرعة نفسها من الخط الخلفي.

وهذه الأجزاء الصغيرة من الثانية قد تكون كافية لتغيير مباراة كاملة.

خليجي 27.. 

بطولة كروية أم اختبار فسيولوجي؟

مع توقعات تبلغ نحو 31°C و85% رطوبة في إحدى مباريات جدة المسائية، ومع وجود أدلة علمية متزايدة تربط الحرارة والرطوبة بتراجع بعض مؤشرات الأداء البدني في كرة القدم، يصبح المناخ عنصرًا لا يمكن تجاهله في قراءة البطولة. 

لكن العلم لا يقول إن الطقس سيقرر البطولة.

العلم يقول شيئًا أكثر دقة:

كلما ارتفع الحمل الحراري، ارتفعت كلفة الأداء عالي الشدة، وأصبح الترطيب، والتأقلم، وإدارة الجهد، والتبديلات والتخطيط البدني أكثر أهمية.

وفي بطولة قصيرة مثل خليجي 27، حيث تتلاحق المباريات ولا توجد مساحة كبيرة للتعويض، قد تصبح القدرة على استعادة الجسم وإدارة الحرارة بين المباريات جزءًا من المنافسة نفسها.

في جدة، إذن، لا تلعب المنتخبات ضد بعضها فقط.

إنها تلعب أيضًا ضد الساعة، والحرارة، والرطوبة، وفقدان السوائل، وتراكم التعب.

والسؤال الذي سيجيب عنه الملعب هو:

من يملك القدم الأسرع عندما يصبح الهواء أثقل؟

ومن يبقى ذهنه صافياً عندما تبدأ حرارة المباراة الحقيقية؟