x

سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري..السكتيوي يقلب المعادلة..!! عُمان التي رفضت أن تُقرأ بالأرقام

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٦:٣٨ م
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري..السكتيوي يقلب المعادلة..!! عُمان التي رفضت أن تُقرأ بالأرقام
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي 

من شوطٍ مرتبك إلى شخصيةٍ متماسكة.. كيف أعاد مدرب عُمان تشكيل المباراة قبل أن تعيد النتيجة تشكيل التوقعات؟

في كرة القدم، هناك مباريات تُقاس بما حدث فيها، وأخرى تُقاس بما كان يُنتظر أن يحدث فيها. مباراة عُمان والعراق في افتتاح خليجي 27 تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها لم تمنح «الأحمر» نقطة في جدول المجموعة فحسب، بل أعادت تعريف السؤال حوله: هل نحن أمام منتخب في طور البناء، أم أمام فريق بدأ يكتشف شخصيته مبكرًا؟

دخل طارق السكتيوي البطولة وهو لا يملك ترف الوقت. منتخب جديد، مجموعة لم تصل بعد إلى أعلى درجات الانسجام، ومعسكرات محدودة، ولاعبون عائدون من إصابات. والسكتيوي نفسه أقر بأن عُمان لم تكن جيدة في الاستحواذ أو التعامل مع المرتدات خلال الشوط الأول، قبل أن تتحسن ردة الفعل وتُطبّق تعليماته في الثاني.

وهنا تحديدًا تبدأ قيمة المباراة.

العراق ضرب مبكرًا في الدقيقة السادسة بواسطة محمد قاسم، ثم امتلك أفضلية الاستحواذ: 56% مقابل 44%، وبلغت محاولاته الهجومية 15 تسديدة مقابل 3 فقط لعُمان، منها 5 على المرمى مقابل واحدة. بلغة الأرقام الباردة، كان العراق الطرف الأكثر إنتاجًا. 

لكن كرة القدم لا تمنح نقاطها لمن يملك الأرقام فقط؛ تمنحها لمن يعرف متى يستخدمها.

السكتيوي لم يحاول أن يحوّل المباراة إلى معركة استحواذ بعد التأخر. بدلًا من ذلك، بدأ فريقه يتعامل بصورة أكثر مباشرة مع المساحات، وأصبح التحول الهجومي أكثر جرأة. وفي الشوط الثاني ظهرت عُمان أكثر قدرة على الوصول إلى الثلث الأخير، قبل أن يأتي الحل من لاعب يمثل أحد رموز المشروع الجديد: ناصر الرواحي.

في الدقيقة 67، سجل الرواحي هدف التعادل من صناعة أحمد الكعبي، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. 

لكن الرواحي لم يكن وحده.

إبراهيم المخيني منح الفريق الأمان في لحظات الضغط، فيما ظهر خط الوسط بصورة أكثر صلابة بعد الاستراحة، وكان التحسن الجماعي أهم من أي اسم منفرد. أما الرواحي، فكان عنوان التحول: لاعب شاب، جريء، لم يتعامل مع اللحظة باعتبارها أكبر منه، بل تعامل معها باعتبارها فرصته.

وهذه ربما أهم بصمات السكتيوي في ظهوره الأول بالبطولة: الثقة.

فالمدرب المغربي لم ينتظر سنوات حتى يمنح الوجوه الجديدة أدوارًا حقيقية. بدأ عملية البناء داخل مباراة تنافسية، وأمام منتخب أكثر استقرارًا من حيث المجموعة والجهاز الفني. السكتيوي أشار قبل البطولة إلى أن عُمان ما زالت في بدايات تكوين الفريق، كما تحدث بعد المباراة عن الفارق في الاستقرار والتحضير بين المنتخبين. 

ومن هنا يمكن قراءة التعادل بعيدًا عن العاطفة.

عُمان لم تكن أفضل من العراق في كل تفاصيل المباراة. لكنها كانت أفضل في شيء أكثر ندرة: قدرتها على البقاء داخل المباراة رغم بدايتها الصعبة، ثم تعديل سلوكها عندما تغيرت احتياجاتها.

هذه ليست سيطرة؛ إنها إدارة مباراة.

وليست ولادة منتخب مكتمل؛ إنها ولادة ملامح منتخب.

واللافت أن عُمان دخلت المواجهة وسط توقعات خليجية لم تضعها في مقدمة المرشحين، خصوصًا أمام العراق والسعودية في المجموعة. لكن التعادل أعاد النقاش من سؤال «من يملك الحظوظ الأكبر؟» إلى سؤال أكثر واقعية: ماذا يمكن أن يفعل هذا المنتخب إذا اكتمل نموه؟

هنا تكمن خطورة البداية.

السكتيوي لم يربح مباراة العراق، لكنه ربح شيئًا ربما يكون أهم في مشروع قصير العمر: إيمان اللاعبين بأن تعليماته قابلة للتنفيذ تحت الضغط، وإيمان الوجوه الجديدة بأن القميص الدولي ليس منطقة انتظار.

وفي كرة القدم، حين يصدق اللاعب مدربه، يبدأ الفريق في تصديق نفسه.

عُمان خرجت من جدة بنقطة، لكن الأهم أنها خرجت بصورة مختلفة عن تلك التي دخلت بها.

العراق امتلك الكرة أكثر، وعُمان امتلكت اللحظة.

وبين الاستحواذ واللحظة، وُلدت أولى إشارات السكتيوي.

«الأحمر لا يزال في طور البناء.. لكنه بدأ يبني على نارٍ لا على رماد.»

*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي