x

عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: نــ NAZA ــازا: وشهد شاهدا من أهلها!

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٥/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٣:٢١ م
عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: نــ NAZA ــازا: وشهد شاهدا من أهلها!
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي 

لم يعد ممكناً اختزال ما ارتكبته إسرائيل في قطاع غزة في عبارة «أضرار جانبية»، أو تبريره بأخطاء ميدانية تقع في الحروب. فقد جاء الفيلم الوثائقي الإسرائيلي NAZA ليكشف، بأصوات ضباط وجنود وعاملين في الاستخبارات الإسرائيلية، أن أعداد المدنيين المتوقع قتلهم كانت تُحسب قبل الغارة، وأن المنازل كانت تُقصف مع معرفة من بداخلها من نساء وأطفال؛ ما يضع كثيراً من العمليات في دائرة الفعل المتعمد، المنفذ عن علم وسبق إصرار.

 

الفيلم، الذي أنتجته صحيفة «الغارديان» وأخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، استند إلى شهادات ٢٤ شخصاً من داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية. وقد جُمعت الشهادات خلال أكثر من ثلاث سنوات، وصُوّرت سراً فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، مع إخفاء وجوه أصحابها وتعديل أصواتهم حفاظاً على سلامتهم.

 

واسم “نازا” “NAZA” مأخوذ من اختصار عسكري إسرائيلي يشير إلى ما يسمى «الضرر العرضي»؛ أي عدد المدنيين المتوقع قتلهم إلى جانب الهدف العسكري. لكن الفيلم يكشف أن هذا الرقم لم يكن إحصاءً يأتي بعد سقوط الضحايا، بل رقماً يُقدَّر مسبقاً ويُعرض ضمن إجراءات الموافقة على القصف. وبعبارة أوضح: كانت الجهة التي تضغط زر الإطلاق تعرف عدد الأبرياء الذين قد يسقطون، ثم تتخذ قرارها.

 

وتروي إحدى الشهادات أن الموافقة صدرت في حالة معينة على قتل ما يصل إلى ٥٠٠ مدني فلسطيني لاستهداف شخص واحد من حركة حماس. كما يكشف الفيلم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل إشارات الهواتف وأنماط الاتصالات، وتحويل آلاف الفلسطينيين إلى أهداف محتملة، بمن فيهم أشخاص منخفضو الرتبة، ثم قصفهم في منازلهم ليلاً وهم بين زوجاتهم وأطفالهم.

 

ويقول المخرج يوفال أبراهام إن العاملين في الاستخبارات كانوا يتنصتون على الهواتف، ويعرفون أن المنزل ممتلئ بالأطفال، بل يسمعون أصوات الرضع، ومع ذلك تصدر أوامر القصف. وتحدث شهود آخرون عن تدمير أحياء مع علم الجيش ببقاء مدنيين فيها، وعن إحراق منازل، وقتل فلسطينيين عند مواقع توزيع الطعام، وعن عقلية بيروقراطية تحول القتل إلى سلسلة من المهام التقنية، بحيث يصف كل مشارك نفسه بأنه مجرد «ترس صغير» في آلة ضخمة.

 

وهنا تتضح دلالة الأرقام المفجعة. فبحسب آخر حصيلة معلنة حتى ١٢ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٦، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣ ما لا يقل عن ٧٣٬٧٨٣ قتيلاً، و١٧٤٬٧٣٨ مصاباً. أما الأطفال، فلم يعودوا أكثر من ١٧ ألفاً كما ورد في إحصاءات سابقة؛ إذ أعلنت منظمة «أنقذوا الأطفال»، استناداً إلى أحدث البيانات المتاحة لديها، أن عدد الأطفال القتلى تجاوز ٢٠ ألف طفل منذ بداية الحرب، أي ما يعادل طفلاً فلسطينياً واحداً كل ساعة تقريباً. وهذه الأرقام لا تشمل بالضرورة آلاف المفقودين الذين لا تزال جثامين بعضهم تحت الأنقاض.

 

ولم تتوقف الحرب عند قتل الأطفال القادرين على الهرب أو الاحتماء، بل وصلت إلى الأطفال الخدّج الذين لم يغادروا حاضناتهم. فقد أدى حصار المستشفيات وقطع الكهرباء والوقود والأكسجين إلى توقف حاضنات وأجهزة إنقاذ الحياة. وفي مستشفى الشفاء اضطر الأطباء إلى إخراج مواليد خدّج من الحاضنات ووضعهم متلاصقين بحثاً عن الدفء بعد انقطاع الكهرباء، وتوفي عدد منهم. وفي مراحل لاحقة شوهد أربعة أو خمسة أطفال يتقاسمون حاضنة واحدة، بينما قالت «اليونيسف» إن السلطات الإسرائيلية منعت إدخال مزيد من الحاضنات.

 

ولم تسلم أقسام الولادة والعناية بحديثي الولادة ولا مراكز الخصوبة. فقد خلص تحقيق أممي إلى أن تدمير مركز البسمة للإخصاب، وهو أكبر مركز من نوعه في غزة، أدى إلى إتلاف نحو أربعة آلاف جنين وألف عينة من البويضات والحيوانات المنوية. ورأت لجنة التحقيق الدولية أن تدمير القدرة الإنجابية للفلسطينيين، إلى جانب قتل أفراد الجماعة وفرض ظروف معيشية مدمرة عليها، يندرج ضمن الأفعال التي تعرّفها اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

 

إن أهمية NAZA لا تنبع فقط من هول الوقائع التي يعرضها، بل من هوية من يرويها. فالشهود ليسوا فلسطينيين قد تتهمهم إسرائيل بالمبالغة، ولا ناشطين أجانب يسهل وصفهم بالتحيز، بل إسرائيليون شاركوا في بناء أنظمة المراقبة واختيار الأهداف وتنفيذ العمليات. إنها شهادة صادرة من داخل غرفة القرار والقتل؛ ولهذا يصعب إسكاتها بالشعارات المعتادة.

 

وقد استقبل جمهور مهرجان البندقية الفيلم بتصفيق استمر قرابة ٢٥ دقيقة، قبل أن يفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. وفي المقابل، لم تعلن الحكومة الإسرائيلية فتح تحقيق مستقل في مضمون الشهادات، بل شنت حملة ضد المخرجين. فقد اتهمهما وزير الثقافة ميكي زوهار بـ«خيانة الدولة»، وطالب بسحب جنسيتهما والتحقيق في مصادر الفيلم، بينما وصف بنيامين نتنياهو العمل بأنه «تحريض صادم». وذهب رئيس أركان الجيش إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيلم والقائمين عليه.

 

والمفارقة أن هذا الغضب الرسمي قد منح الفيلم مزيداً من الأهمية؛ إذ بدا أن السؤال لم يعد: هل قُتل المدنيون مع العلم بوجودهم؟ بل: من الذي تجرأ على كشف ذلك للعالم؟

 

قضائياً، لا يشكل الفيلم وحده حكماً نهائياً بإدانة إسرائيل، لكنه قد يصبح خريطة بالغة الأهمية للمحققين الدوليين. فالتسجيلات الأصلية، وهويات الشهود، والأوامر العسكرية، وسجلات الاتصالات والموافقات على الغارات، إذا وُضعت أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، يمكن أن تساعد في إثبات العلم المسبق والطابع المنهجي وسلسلة المسؤولية القيادية.

 

لقد حاولت إسرائيل طويلاً تقديم مقتل عشرات الآلاف من المدنيين باعتباره نتيجة مؤسفة لحرب مفروضة عليها. لكن NAZA يكشف أن الضحايا كانوا، في حالات كثيرة، أرقاماً معروفة ومحسوبة قبل إسقاط القنابل. وحين يعرف من يصدر الأمر أن المنزل يعج بالأطفال، ويسمع أصواتهم، ويقدّر عدد من سيموتون، ثم يسمح بالقصف، فإن الحديث لم يعد عن خطأ عسكري، بل عن جريمة مكتملة الأركان تنتظر العدالة.

 

إنه فيلم يضع العالم أمام الحقيقة الموجعة: غزة لم تُدمّر بقنابل عمياء، بل بمنظومة كانت ترى ضحاياها، وتحصيهم، ثم تقرر قتلهم. وإذا لم ينجح الإعلام العربي والإسلامي في إحداث التأثير المطلوب عالمياً وكسر جدار الرواية الإسرائيلية، فإن شجاعة المخرجين الإسرائيليين وإنسانيتهما تكفلتا بذلك؛ إذ نقلا إلى العالم شهادة موثقة من داخل المؤسسة التي أدارت آلة القتل. وهكذا جاءت الإدانة هذه المرة لا من خصوم إسرائيل، بل من شاهدين من أهلها.