x

صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة معارك الاستنزاف ونقض العهود

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٣:٠١ م
صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة معارك الاستنزاف ونقض العهود
صادق بن محمد سعيد اللواتي

بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي 

 

ظاهرة نقض المعاهدات والاتفاقيات الدولية يشهد العالم المعاصر تراجعاً حاداً ومثيراً للقلق في مستوى الالتزام الذي أرسي كضمانة للاستقرار الإقليمي والدولي منذ عقود. إن ظاهرة التنصل الأحادي من الاتفاقيات والتراجع عن التعهدات المبرمة لم تعد مجرد استثـناءات دبلوماسية طارئة، بل أضحت أداة تكتيكية تُستخدم للضغط والتفاوض من موقع القوة. هذا السلوك السياسي يتسبب في إضعاف المنظومة الدولية، ويهدم ركائز "الدبلوماسية الوقائية". كما يقوض الثقة المتبادلة بين الدول، مما يجعل من الصعب الوصول إلى تسويات سلمية مستدامة تعتمد على قواعد القانون الدولي وحسن النيات.

 

عندما تقترن استراتيجيات الاستنزاف بنقض التعهدات الدولية، يدخل الإقليم في حالة ممتدة من السيولة والاضطراب السياسي. إن إصرار بعض القوى على فرض إرادتها عبر أساليب الابتزاز السياسي والاقتصادي والتهديد العسكري غالباً ما يفضي إلى نتائج عكسية إذ يتشكل أمامها صمود شعبي ومواقف دولية رافضة للهيمنة الأحادية. وتثبت التجربة التاريخية أن خطابات التهديد وسياسات الضغط المباشر لا تحقق حكماً موجزاً أو "يحسم" الصراعات، بل تدفع الأطراف المتنازعة نحو دوامات متصلة من التصعيد واستنزاف الطاقات والموارد دون الوصول إلى حلول جذرية.

 

وسط هذا المشهد الدولي المتسم بتقلب المواقف وانتهاك العهود، يظل الموقف العماني ثابتاً ومتميزاً برصانته ومصداقيته. فالسلطنة تنطلق دائماً من رؤية استراتيجية تؤمن بأن احترام المعاهدات الدولية والمواثيق والوفاء بالالتزامات هي الأسس الجوهرية لبناء نظام عالمي عادل وآمن. إن الرؤية العمانية تسعى باستمرار إلى تجنيب المنطقة أوزار حروب الاستنزاف وصراعات المحاور، مع التأكيد الدائم على أن السلام الدائم لا يُبنى بإملاء الشروط أو نقض المعاهدات، وإنما بالحوار المسؤول، والتفاهم المشترك، وتغليب المصلحة العليا لجميع الشعوب.

 

إن درس التاريخ يعلمنا أن الأمم التي بنت مجدها على نقض العهود لم تدم طويلاً. فمعاهدة "فرساي" 1919 التي فرضت شروطاً قاسية على ألمانيا، قادت إلى حالة من السخط القومي ومهدت لصعود النازية واشتعال الحرب العالمية الثانية، ومثال آخر صارخ، ميثاق "عدم الاعتداء" الذي وقعه هتلر مع الاتحاد السوفيتي عام 1939، فنقضه بعد عامين وشن هجومه على روسيا، فكانت بداية نهايته وهزيمته.

 

الدول التي جعلت من الوفاء بالالتزام ومنطق الحوار نهجاً لها، هي التي كسبت احترام العالم وكسبت شعوبها. ولهذا فإن تمسكنا العماني بمبادئ الحياد الإيجابي والوساطة ليس ضعفاً، بل هو قوة ناعمة صنعت لعُمان مكانة خاصة في محيط مضطرب. إنها دعوة مفتوحة لكل الأطراف. أن السلام ليس سذاجة، وأن الوفاء بالعهد ليس خسارة، بل هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر.

 

تؤكد معارك الاستنزاف ونقض العهود أن الاعتماد على القوة والتذبذب في الالتزامات الدولية قد يمنح مكاسب ظاهرة مؤقتة، ولكنه يعجز عن صنع استقرار حقيقي أو سلام دائم. وتبقى الحكمة، والوفاء بالعهود، والتمسك بالقيم والمبادئ الراسخة هي السبيل الناجع للحد من النزاعات والعبور بالمنطقة إلى آفاق الأمان والازدهار.