x

علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: محو أُميّة الذكاء الاصطناعي والتمكين الشخصي

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٦/سبتمبر/٢٠٢٦ ٠٨:٣٣ ص
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: محو أُميّة الذكاء الاصطناعي والتمكين الشخصي
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني

قديمًا، كانت الأُميّة تعني عدم معرفة القراءة والكتابة، ثم أصبحت تعني عدم معرفة قواعد التعامل مع الحاسب الآلي وبرمجياته. واليوم، أصبحت تتمثل في عدم معرفة أسرار الذكاء الاصطناعي ومداخله ومخارجه، وما يمثله من تحول كبير في المعرفة والتكنولوجيا. وهذا التحول يتطلب مواكبة من مختلف فئات المجتمع والجهات الحكومية، من خلال التعلم والتدريب المتواصل، وتوفير البيئة الملائمة للاستفادة من هذه التقنيات الحديثة وتسخيرها في مجالات التنمية والاقتصاد في البلاد.

ولا شك أن الأُميّة، بمختلف أشكالها، تمثل عائقًا أمام الفرد والمجتمع للاندماج في الحياة ومواكبة التطورات المتسارعة في مختلف المجالات. وهو ما ينبغي أن يدركه الفرد اليوم؛ إذ يجب أن يكون التعلم المستمر أداة لمكافحة الأُميّة بجميع أنواعها، والتغلب على الأُميّات الجديدة، وفي مقدمتها أُميّة الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح يتغلغل في تفاصيل الحياة العامة، ويوفر وسيلة لاختزال الوقت والجهد والوصول إلى المعرفة في عالم يتغير كل يوم.

إن محو أُميّة الذكاء الاصطناعي لا يعني أن يصبح الإنسان متخصصًا في علومه وتقنياته، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكّنه من فهم هذه التقنية والتعامل معها بوعي، وصياغة الأسئلة والتعليمات المناسبة، والتحقق من صحة النتائج، وحماية البيانات الشخصية والمؤسسية، ومعرفة حدود التقنية ومواطن الخطأ والتحيز فيها.

فالمتعلم هو من يستطيع تقييم النص الذي تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي، ومراجعة مصادره، واكتشاف أخطائه، وتحسينه، وتحديد مدى صلاحيته للاستخدام. أما نسخ ما تنتجه التطبيقات ونشره دون مراجعة أو تحقق، فهو شكل آخر من أشكال الأُميّة والقصور المعرفي، وقد يتحول إلى تضليل أو إخلال بالأمانة المهنية.

وتتمثل أُميّة هذا المجال أيضًا في رفض هذه التقنية والخوف منها أو التقليل من شأنها، أو وصم من يستخدمها بأنه مقلد وأن ما يقدمه ليس من إنتاجه، من جانب، والثقة العمياء في كل ما تنتجه هذه التقنية من جانب آخر. فالذكاء الاصطناعي أداة قوية، تتوقف قيمتها وخطورتها على معرفة الإنسان الذي يستخدمها ونزاهته ومسؤوليته.

ولا ينبغي أن يتوقف محو أُميّة الذكاء الاصطناعي عند التعريف بالتقنية أو معرفة استخدام أحد تطبيقاتها وصياغة الأوامر لها، بل يجب أن ينتقل إلى مرحلة "التمكين بالذكاء الاصطناعي" بحيث يصبح الفرد قادرًا على توظيفه في حل مشكلة حقيقية في عمله أو دراسته أو حياته، مع التحقق من النتائج، وحماية البيانات، وإدراك حدود الأداة.

ومن هنا، يمكن التفكير في إنشاء "مؤشر وطني لمحو أُميّة الذكاء الاصطناعي" لقياس هذه المهارات لدى الطلبة والموظفين ومختلف فئات المجتمع، وإطلاق مبادرة "الذكاء الاصطناعي لكل مهنة" بحيث يحصل المعلم والمحاسب والطبيب والمهندس والموظف الحكومي على تدريب يتناسب مع طبيعة عمله.

وبذلك تتكامل المسؤوليات؛ فالفرد مسؤول عن التعلم، والمؤسسة مسؤولة عن توفير بيئة الاستخدام، والحكومة مسؤولة عن التشريع والحوكمة وبناء القدرات، لينتقل المجتمع من مجرد التوعية بالتقنية إلى بناء الكفاءة والقدرة على إنتاج القيمة من خلالها.

ولإيضاح أهمية الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مستقبل الوظائف، يكفي أن نشير إلى أن المؤشرات العالمية تؤكد أن تعلم هذه التقنيات أصبح واقعًا لا محالة. فقد أشار "تقرير مستقبل الوظائف 2025" إلى أن 39% من المهارات الأساسية الحالية للعاملين ستتغير أو تصبح متقادمة بحلول عام 2030، كما أشار إلى أن مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تأتي في صدارة المهارات الأسرع نموًا التي تتطلبها الوظائف المستقبلية.

وإذا كانت الوظائف ستتغير وفق هذه المؤشرات العالمية، فما على كل واحد منا إلا أن يتحرك سريعًا نحو التعلم وتأهيل نفسه، والاستفادة من هذه الأداة التي تعيد تشكيل طريقة العمل والإنتاج والوصول إلى المعرفة.

وفي هذا المجال، نرى أن الحكومة قد أدركت أهمية هذا التحول، وتعزز هذا التوجه بصدور المرسوم السلطاني رقم (50/2026) بإنشاء "منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة" بمحافظة مسقط، لتكون منطقة اقتصادية متخصصة تستقطب الشركات الناشئة والعالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات، وتوفر لها الحوافز والتسهيلات الاستثمارية. وتمثل هذه الخطوة انتقالًا من نشر الوعي بالتقنية إلى بناء بيئة اقتصادية قادرة على توطينها واستثمارها وإيجاد فرص عمل نوعية للكوادر الوطنية.

وكذلك أطلقت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، الذي يرتكز على تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والتنموية، وتوطين التقنيات، وبناء القدرات المحلية، ووضع أطر لحوكمة الاستخدام الآمن والأخلاقي، وحماية الخصوصية والبيانات.

وشهد عام 2025 إطلاق النسخة التجريبية من النموذج اللغوي الوطني "معين AI". كما تم تنظيم عدد من المبادرات لمحو أُميّة الذكاء الاصطناعي، مثل مسابقة "هندسها بالذكاء الاصطناعي" ومبادرة "مستكشفو الذكاء الاصطناعي" إلى جانب تقديم حلقات عمل متعددة للقطاعين العام والخاص والقطاع الأكاديمي حول استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه الجهود وجود توجهات وخطط وطنية واعدة في هذا المجال.

لكن لا ينبغي أن نغفل الجانب التعليمي؛ إذ ينبغي تضمين مفاهيم الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المناهج الدراسية، وإدراج مقررات وبرامج تدريبية عملية تتدرج من المدارس إلى الكليات والجامعات، بما يمكّن الطلبة من استخدام أدواته في التعلم والبحث وحل المشكلات، مع تدريبهم على التحقق من النتائج، وحماية البيانات، والالتزام بالاستخدام الأخلاقي والمسؤول.

غير أن مقاربة محو أُميّة الذكاء الاصطناعي تختلف عن حملات محو الأُميّة التقليدية؛ فأداة التعلم نفسها أصبحت متاحة لكل فرد، وفي أي وقت ومكان. ولذلك ينبغي على المواطن أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتدريب ذاته، من خلال فهم أدواته ومجالاته وحدوده، وطرح الأسئلة عليه، وطلب الشرح والتطبيق، والتدرج وفق مستواه واحتياجاته، مع التحقق من صحة ما يقدمه.

فالمسؤولية هنا فردية في المقام الأول؛ لأن كل شخص أصبح قادرًا على أن يكون متعلمًا ومدربًا لنفسه، وأن يقطع خطوات واسعة في محو أُميّته في هذا المجال.

وبالطبع، لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان في كل شيء، لكنه سيعيد تشكيل كثير من الوظائف وطريقة أداء الأعمال. وقد يصبح الفارق في سوق العمل بين شخص يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي وآخر لا يعرف استخدامه فارقًا كبيرًا في الإنتاجية والقدرة على المنافسة.

فالموظف الذي يستطيع تحليل البيانات، وتلخيص الملفات، وإعداد المسودات، واكتشاف الأنماط، وتسريع الإجراءات باستخدام الأدوات الذكية، سيصبح أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة من موظف يواصل أداء العمل بالأساليب التقليدية نفسها، متجاهلًا الأدوات الجديدة التي أصبحت متاحة أمامه.

ومن هنا، فإن أُميّة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد عدم معرفة استخدام تطبيق أو أداة، بل هي خطر حقيقي إذا تحولت إلى عجز عن فهم التحول الذي يحدث من حولنا. وفي المقابل، فإن محو هذه الأُميّة لا يتطلب بالضرورة شهادات متخصصة، وإنما يبدأ بالفضول، والتعلم، والتجربة، والقدرة على السؤال، ثم التحقق والاستخدام المسؤول.

نأمل أن يحظى هذا الموضوع بالاهتمام الكافي من جميع أفراد المجتمع، وأن يكون منطلقًا للتمكين من خلال التعليم والتدريب المستمر، وابتكار الأدوات والبرامج التي تجعل كل واحد منا جزءًا من المستقبل في هذا المجال الحيوي، الذي سيحدد جانبًا مهمًا من مستقبلنا، بناءً على مدى تفاعلنا مع هذا التطور وقدرتنا على تمكين أنفسنا من تطبيقاته.