x

عادل الحمداني يكتب للشبيبة: كل الطرق تؤدي إلى.... الصناعية

مقالات رأي و تحليلات الجمعة ٠٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ٠١:١٨ ص
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: كل الطرق تؤدي إلى.... الصناعية
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي

أينما اتجه المرء في ولايات سلطنة عُمان، تتراءى أمامه شبكات الطرق الحديثة التي تتسع عاماً بعد عام، بوتيرة تواكب الحراك العمراني المتنامي. وتكاد تلك الشبكات أن تكتمل في المدن والقرى القديمة والأحياء الحديثة، لتغدو الطرق أكثر من مجرد مسارات تعبرها المركبات؛ إذ تمثل شرايين نابضة بالحياة اليومية، تخدم آلاف الأشخاص، وتدعم حركة المجتمع والتنمية.

تلك الطرق، تُمكّن السكان من الوصول إلى مقاصدهم بسهولة وأمان، وتُيسّر التواصل بين الأهالي، وتدعم الأنشطة الاجتماعية. كما أن وجودها يرفع من مستوى الراحة، ويقلل من معاناة التنقل، ويُسهم في تحريك الأنشطة التجارية وتعزيز الحركة الاقتصادية. غير أن هذه الأهمية تواجهها معضلة متكررة؛ إذ تعاني كثير من الطرق في عدد من ولايات السلطنة من التشوهات والحفر.

من منا لم يصادف طريقاً بدا وكأنه رُصف حديثاً، لكنه سرعان ما امتلأ بالعيوب والتشوهات التي تتفاقم مع مرور الأيام؟ ومن منا لم يمر بطريق خضع لمعالجات متكررة دون جدوى، حتى غدا أشبه بثوب مثقّل بالرقع المتعددة الألوان والأحجام؟ هذه الصورة تدعونا إلى التساؤل مجدداً: هل استوفى الطريق الاشتراطات الفنية منذ البداية؟

عند تأمل صورة بعض الطرق، نجد أن المشكلة لا يمكن حصرها في وجود حفرة أو تشققات في طبقات الإسفلت، وإنما تمتد إلى المنظومة الهندسية الأشمل التي تبدأ منذ لحظة تصميم الطريق، مروراً بمراحل لا تقل أهمية، مثل دراسة طبيعة التربة، وتصميم طبقات الطريق وسماكاتها، ونوعية المواد المستخدمة فيها، وتصريف مياه الأمطار والأودية، وأحمال المركبات التي ستستخدمه، وطبيعة المنطقة التي يمر بها.

بعض الطرق، للأسف، تخضع لعمليات معالجة متكررة، تتم أحياناً في المكان نفسه أو بالقرب من المعالجة السابقة، ليكون السؤال المحوري المستحق لحالة ذاك الطريق: هل نحن أمام طرق سيئة، أم أمام نموذج صيانة لا يمنع عودة المشكلة؟

للأسف، كثير من هذه الطرق تُنشأ بمواد لا تحتمل ضغط المرور أو الظروف المناخية، فتتحول سريعاً إلى مسرح للتشققات والحفر. وعوضاً عن البحث عن حلول جذرية، يُكتفى بالترقيع أو إعادة الرصف السطحي، لتعود المشكلة من جديد.

في المقابل، تظهر مشكلة أخرى لا يمكن إغفالها؛ ففي بعض الأحيان يكون الطريق مستوفياً للمواصفات عند إنشائه، لكنه يتعرض لاحقاً لعوامل لم تكن موجودة عند التصميم، مثل ظهور تمديدات جديدة، أو حفريات لخدمات المياه والكهرباء والاتصالات، أو زيادة حركة الشاحنات والأحمال الثقيلة، أو تعرض المنطقة لأمطار وجريان أودية غير محسوبة.

أكثر ما يثير الدهشة أن نجد طريقاً حديثاً تم إنشاؤه وفق أعلى المواصفات، ثم تبدأ سلسلة من أعمال الخدمات التي تشوه شكله وتضعف بنيته. فكل عملية قطع وإعادة ردم هي، في الحقيقة، نقطة ضعف محتملة، لأنها في كثير من الحالات لا تُنفذ وفق المعايير الصحيحة.

وهذا النهج لا يُرهق ميزانية الدولة بمبالغ إضافية فحسب، ويرفع التكلفة على المدى الطويل، بل يُهدر فرص استثمار تلك الأموال في مشاريع أكثر نفعاً. والأسوء من ذلك أن هذه التشوهات تُعرض السائقين والمشاة لمخاطر حقيقية، وتترك آثاراً مباشرة على المركبات وسلامة مستخدمي الطريق.

في كل يوم أمرّ فيه على طريق مشوّه أو مُرقّع بمعالجات سريعة، يراودني تساؤل ملحّ: هل يصعب حقاً بناء طرق متينة بحيث لا تُترك عرضة للتشوهات المتكررة؟ أم أن الأمر يرتبط بالاعتمادات المالية، أو بالرغبة في تسجيل أطوال الطرق المعبدة ضمن قوائم الإنجازات لوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات ولإدارات المحافظات؟

ثمة خلل غير واضح يجعل أغلب تلك الطرق على هذا النحو، وكأن المشكلة كامنة في مكان ما بين التخطيط والتنفيذ والرقابة.

ولا أريد أن أصل إلى القول إن الطرق التي تُعالج على ذلك النحو تعكس غياب الرؤية في إدارة البنية التحتية، أو أن الإصلاحات القائمة لا تعدو كونها حلولاً تجميلية هدفها إثبات الحضور لا أكثر. لا أريد قول ذلك لأن الحلول العملية متاحة، ويمكن البدء من فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في مضمونها: هندسة الطرق حسب المكان، عوضاً عن التعامل مع الطرق باعتبارها منتجاً واحداً يصلح لكل البيئات.

فالشاهد هنا أن سلطنة عُمان ليست بيئة واحدة؛ فهي تحوي سواحل وجبالاً وأودية وصحاري، ومناطق تتعرض للأمطار وأخرى للرمال، وثالثة تشهد حركة شاحنات كثيفة، ومناطق ذات توسع عمراني سريع. وما يصلح لطريق في منطقة ساحلية قد لا يكون هو الخيار ذاته لطريق في منطقة جبلية أو منطقة تشهد حركة كثيفة للمركبات الثقيلة.

وفي بعض الحالات، يكون الإسفلت هو الضحية وليس سبب المشكلة؛ ضحية مشكلات أعمق: تسرب مياه، ضعف طبقات التأسيس، سوء تصريف مياه الأمطار، هبوط التربة، أعمال خدمات تحت الطريق، تمديدات أنابيب، حركة شاحنات، سوء تنفيذ، عوامل مناخية، جريان الأودية، أو تكرار الحفر.

ومن بين الحلول التي يمكن اللجوء إليها الاستفادة من تقنيات ومواد حديثة تطيل العمر الافتراضي للطريق، إلى جانب وضع برامج دورية للفحص المبكر ومعالجة التشققات قبل أن تتحول إلى حفر كبيرة. والأهم من ذلك، تعزيز الرقابة والشفافية عبر تقارير معلنة ومؤشرات أداء واضحة، بما يضمن جودة التنفيذ، ويحوّل الطرق من عبء متكرر إلى ركيزة تنموية مستدامة.

كما أن جودة الطرق ليست مسؤولية جهة واحدة؛ فهناك أطراف عديدة تشترك في هذه المسؤولية، ونحن هنا أمام منظومة متكاملة تتوزع أدوارها بين مؤسسات مختلفة. فالجهات الحكومية، مثل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، تتحمل مسؤولية التخطيط ووضع المواصفات الفنية للطرق، فيما تتولى البلديات المحلية متابعة التنفيذ والصيانة والتأكد من مطابقة الطرق لمعايير السلامة والجودة. أما الأجهزة الرقابية فيقع على عاتقها التدقيق في العقود والمشاريع لضمان عدم وجود خلل يؤثر على جودة التنفيذ.

ولا تقف المسؤولية عند هذا الحد؛ فالشركات المنفذة ملزمة قانونياً بتنفيذ المشاريع وفق المواصفات المحددة في العقود، وتتحمل تبعات أي خلل ناتج عن سوء التنفيذ أو استخدام مواد غير مطابقة. كما تقع على عاتقها مسؤولية ضمان سلامة مستخدمي الطريق من خلال وضع اللوائح التحذيرية والإرشادات المرورية بالشكل السليم. وإلى جانب ذلك، يبرز دور المجتمع في الإبلاغ عن الحفر والتشوهات، لمساعدة الجهات المختصة على التدخل السريع، فيما يقوم الإعلام بدوره في تسليط الضوء على أوجه القصور وكشف مكامن الخلل.

إن التشوهات والحفر التي تظهر في بعض الطرقات لا تقتصر آثارها على المظهر العام للبنية التحتية، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على مستخدمي الطريق؛ إذ يجد كثير من السائقين أنفسهم أكثر تردداً على ورش تصليح المركبات في المناطق الصناعية بولاياتهم، حتى بات لسان حالهم يقول ساخراً: كل الطرق تؤدي إلى... الصناعية.

المفارقة التي ظلت تُراودني وأنا أكتب هذا المقال، أن الطريق الذي كان يفترض أن يختصر المسافة نحو وجهتنا، بات يختصرها نحو ورش إصلاح المركبات. لا خلاف على أن الطرق اليوم تمثل شرياناً أساسياً من شرايين التنمية، لكن الاتفاق ينعقد على أن سلامتها لم تعد ترفاً هندسياً أو تفصيلاً مؤجلاً، فهي جزء لا يتجزأ من جودة الحياة، وكفاءة الإنفاق، وسلامة الإنسان. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في أذهان مستخدمي الطرق: كم من الأعوام يمكن لهذا الطريق أو ذاك أن يصمد قبل أن نُضطر إلى إعادة إصلاحه من جديد؟