
بقلم : محمد محمود عثمان
أمن هرمز وسوق الطاقة العالمي يتشكلان إلى حد كبير خارج الإطار العربي الجماعي جغرافياً وسياسياً، بعيداً عن العرب أصحاب الأرض والحق وهم أكبر المتأثرين بأمن الطاقة والممرات البحرية، والذين يتحولون من منصة أصحاب أرض إلى "مدرج المتفرجين"، في ظل الوضع القائم بين معادلة هرمز والنفط الخليجي والأسعار العالمية وفنزويلا والنفوذ الأمريكي، والدور الإيراني المريب والغريب الذي وفر لأمريكا مساحة التواجد والتمركز في المنطقة بسبب الملف النووي الحاضر - الغائب عن المفاوضات الآن، على الرغم من الخسائر التي لحقت بها عسكرياً واقتصادياً، وهذا ربما يفسر لماذا أوقف ترامب الهجمات العسكرية الشاملة والواسعة على إيران والتغاضي عن الكثير من تصريحات المسؤولين فيها، ورغبته في العودة للمفاوضات.
وفي وسط هذه المعادلة الصعبة يقف العرب في موقف الحيران الذي لا حول له ولا قوة، فهم يمتلكون النفط، ويملكون الموقع، ويتحملون المخاطر والخسائر، لكنهم لا يملكون بالقدر نفسه أدوات إدارة الأزمة؛ لأن دول الخليج هي أول من يدفع الثمن المباشر لأي اضطراب في هرمز، والدول العربية النفطية هي التي تتحمل جزءاً كبيراً من مخاطر المنشآت والطاقة والملاحة، والاقتصاد العربي يتأثر بأسعار النفط والشحن والتأمين.
وفي الوقت نفسه، تستطيع واشنطن أن تجمع بين أمن الممر في الخليج والنفوذ على مصادر نفط بديلة مثل فنزويلا. لذلك هناك علاقة استراتيجية قوية جداً بين «هرمز الأمريكية» وفنزويلا، خصوصاً في ضوء التطورات التي حدثت خلال الأيام الأخيرة. وإذا وضعنا الملفين جنبًا إلى جنب، تظهر صورة معادلة أكبر من مجرد أزمة مضيق وأزمة نفط وهى: هرمز + فنزويلا = إدارة أمريكية لمعادلة النفط.
ففي هرمز تتحرك الولايات المتحدة باتجاه تأمين الممر الذي يخرج منه نحو خمس تجارة النفط العالمية، بينما في فنزويلا تتحرك باتجاه زيادة سيطرتها على مصدر نفطي ضخم خارج منطقة الخليج. وقد أعلن ترامب في 28 أغسطس اتفاقاً أمريكياً- فنزويلياً يمنح الولايات المتحدة حق الامتياز وصولاً وسيطرة على تطوير حقول تحتوي على نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات، مع خطط لاستثمارات تقارب 100 مليار دولار.
أي أن واشنطن تتحكم في طرفي المعادلة، فهي في الخليج: حماية وسيطرة على الطريق، وفي فنزويلا: توسيع السيطرة على المصدر. وعلينا أن نعي هذه العلاقة والاستراتيجية التي خطط لها ترامب بالحرب على إيران للتواجد في المنطقة في مواجهة المد الاقتصادي الصيني الجارف، فهرمز يمثل التحكم في ممر الإمداد، وفنزويلا تمثل التحكم في مصدر بديل للإمداد.
وذلك قد يجعل من نفط فنزويلا مخرجاً من آثار اضطراب الوضع في هرمز الذي يرفع مخاطر نقص النفط، وبالتالي يرفع الأسعار، ولكن مع زيادة الإنتاج والصادرات الفنزويلية، فذلك يعوض جزءاً من النقص العالمي أو على الأقل يخفف أثره النفسي والسوقي على المدى المتوسط والبعيد.
حيث إن فنزويلا لا تستطيع حالياً تعويض هرمز، لأن صادراتها تدور حول 1.25 مليون برميل يومياً، كما أن ضعف الموانئ والبنية التحتية أدى إلى انتظار ناقلات النفط أحياناً لأسابيع للتحميل.
والأمر كذلك فهذا ليس تعويضاً فورياً، وإنما بناء بديل استراتيجي في السنوات القادمة، ولكن الأمل كما قال وزير الطاقة الأمريكي: إن صادرات النفط الفنزويلية يمكن أن تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً بحلول نهاية ولاية ترامب في عام 2029، إذا لم يحاول كسر النظام الأمريكي للبقاء في السلطة لفترة ثالثة.
لذلك يمكن القول إن المسألة أخطر من مجرد النفط، فالولايات المتحدة تعمل على ضمان سيطرتها لاستمرار حركة النفط عبر أهم ممر للطاقة، كما تحصل على نفوذ مباشر في واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم، فإذا كان ارتفاع المخاطر في هرمز يرفع الأسعار، فإن زيادة النفط الفنزويلي مستقبلاً يمكن أن تضغط عليها.
ومن هنا فإن العالم لا يواجه أزمة هرمز فقط، بل إعادة تشكيل لخريطة الطاقة والنفوذ، فبينما تمسك الولايات المتحدة بورقة أمن الممر النفطي في هرمز، وتوسع نفوذها على احتياطيات فنزويلا، تتحرك أسعار النفط والشحن والتأمين وفق مستوى المخاطر في المنطقة، أما العرب أصحاب الحق والأرض والنفط والموقع والجغرافيا، فيتحملون الجانب الأكبر من فاتورة الأزمة، بينما يجري رسم قواعد اللعبة الاستراتيجية إلى حد كبير خارج إطارهم الاقتصادي والسياسي والجغرافي.
في غياب منظومة عربية قادرة على تحويل عناصر قوتهم إلى قوة استراتيجية مشتركة، تسبب في تحملهم فاتورة الأمن وتكلفة الحماية والتسلح وفاتورة الأزمة وخسائر النفط والموانئ والشحن والاستثمار، ومن ثم فقد صك النفوذ وتراجع القدرة العربية على تحديد مستقبل المنطقة.
لنقرر حقيقة أن من يسيطر على الممر، يملك ورقة الضغط؛ ومن يملك البديل، يملك ورقة التفاوض؛ ومن لا يملك قراره، يملك فقط سداد الفاتورة، لأن هرمز هو مفتاح الطريق، وفنزويلا مفتاح البديل، والأسعار هي الفاتورة، والعرب هم أصحاب الأرض الذين يراقبون اللعبة من مدرجات المتفرجين ولا يعرفون متى يطلق الحكم صفارة النهاية؟