x

الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: العقوبات لا تكسر إيران... بل تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠١/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٣:١٤ م
الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: العقوبات لا تكسر إيران... بل تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي
الدكتور صادق حسن اللواتي

بقلم : الدكتور صادق حسن اللواتي

لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين دولتين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لموازين القوة في العالم، يمتد من الصاروخ والطائرة إلى النفط والمصارف والتجارة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا. ومع تعثر الرهان على القوة العسكرية في تحقيق أهدافها، انتقلت المواجهة إلى المجال الاقتصادي عبر العقوبات والحصار والضغط على الشركاء التجاريين، باعتبار أن الاقتصاد قد يحقق ما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه.

 

غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أظهرتها عقود طويلة من العقوبات، وهي أن إيران لم تعد دولة يمكن كسرها بمجرد إغلاق عدد من الأبواب الاقتصادية. فقد راكمت خبرة واسعة في إدارة اقتصاد يعمل تحت الضغط، وبناء البدائل، والحفاظ على الإنتاج، وإعادة توجيه التجارة، وتحويل قدراتها البشرية والعلمية والصناعية إلى عناصر للصمود .

 

لقد عاشت إيران سنوات طويلة تحت العقوبات الأمريكية والغربية، ومع ذلك لم يتوقف اقتصادها أو صناعاتها أو جامعاتها ومراكزها العلمية. واستمرت في تطوير قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والصناعات التحويلية والدوائية والهندسية والتكنولوجية. صحيح أن العقوبات فرضت تكاليف كبيرة على الاقتصاد الإيراني، وأثرت في الاستثمار والتجارة والعملة ومستوى المعيشة، لكنها دفعت في الوقت نفسه إلى تعزيز الإنتاج المحلي، والبحث عن أسواق وشركاء خارج المنظومة الغربية، وتطوير آليات للتعامل مع اقتصاد يعمل في ظروف استثنائية .

 

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية؛ فهي لا تدخل المواجهة الاقتصادية من الصفر، وإنما تحمل خبرة تراكمية تمتد لعقود في إدارة اقتصاد تحت الضغط. ولذلك فإن افتراض أن حزمة جديدة من العقوبات ستؤدي تلقائيًا إلى انهيار الاقتصاد الإيراني لا يستند إلى قراءة كاملة للتجربة السابقة .

 

ولا يستمد الاقتصاد الإيراني قوته من النفط وحده، بل من اجتماع مجموعة واسعة من عناصر القوة، من سوق محلية كبيرة وموارد طبيعية، إلى قطاع صناعي متنوع وقدرات زراعية وقاعدة علمية وهندسية وجامعات ومراكز بحثية. ويضاف إلى ذلك موقع جغرافي بالغ الأهمية يجعل إيران حلقة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وجنوب آسيا، ويمنحها أهمية تتجاوز حجم اقتصادها المباشر .

 

وتزداد أهمية هذا الموقع بالنظر إلى إشراف إيران على الجانب الشمالي من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. فاستقرار هرمز ليس قضية إيرانية فقط، بل يرتبط بأسعار النفط والغاز والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد والتضخم في اقتصادات عديدة. كما أن التفاعلات الجيوسياسية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب تجعل أمن هذه الممرات مترابطًا في الحسابات الاستراتيجية للطاقة والتجارة الدولية .

 

إن قوة الموقع الإيراني تكمن في أن أحد أهم اختناقات الطاقة العالمية يقع أمام سواحلها. أما باب المندب، فيقع ضمن بيئة جيوسياسية تتفاعل فيها إيران وحلفاؤها وخصومها، ولذلك أصبحت ممرات الخليج والبحر الأحمر وخليج عدن مترابطة في الحسابات الاستراتيجية للطاقة والتجارة .

 

وهذه إحدى الحقائق التي لا تستطيع العقوبات تغييرها. تستطيع الولايات المتحدة الضغط على المصارف والشركات والأسواق، لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا الإيرانية، ولا إلغاء مواردها الطبيعية، ولا محو ملايين المستهلكين والمنتجين والمهندسين والعلماء، كما لا تستطيع إلغاء حاجة آسيا إلى الطاقة والمواد الخام والطرق التجارية .

 

ومن هنا يمكن فهم مفهوم الإمام الخميني للاستقلال، القائم على رفض التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية للقوى الكبرى، وبناء قدرة وطنية تحمي القرار السياسي من الابتزاز الخارجي. ولم يكن شعار «لا شرقية ولا غربية» مجرد شعار سياسي، بل تعبيرًا عن رؤية تعتبر أن الدولة التي تريد امتلاك قرارها يجب أن تمتلك قدرًا من القدرة على إنتاج حاجاتها، وتطوير علومها، وحماية صناعتها، وعدم تحويل اقتصادها إلى سوق تابعة للخارج .

 

وقد اختُبرت هذه الرؤية عمليًا خلال العقود الماضية؛ فالعقوبات، رغم كلفتها، دفعت إيران إلى تطوير البدائل المحلية وتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع آسيا، الأمر الذي جعل اقتصادها أكثر ارتباطًا بفضاء يتجاوز المنظومة الغربية .

 

وهنا تدخل الصين وروسيا في المعادلة الجديدة. فالصين ليست مجرد مستورد للطاقة، بل قوة صناعية وتكنولوجية وتجارية تمتلك سوقًا ضخمة وسلاسل إمداد واسعة، وتسعى إلى تنويع مصادر الطاقة ومسارات التجارة. ولذلك فإن استمرار العلاقات الاقتصادية الصينية الإيرانية يعني أن العقوبات الأمريكية لا تواجه إيران وحدها، وإنما تتقاطع أيضًا مع مصالح قوة اقتصادية كبرى.

 

أما روسيا، فقد دفعتها العقوبات الغربية إلى إعادة توجيه جانب كبير من تجارتها نحو آسيا، وتعميق علاقاتها مع الصين والهند ودول أخرى، وتطوير مسارات جديدة للطاقة والتجارة. وهكذا تلتقي إيران وروسيا في خبرة مواجهة الضغوط الغربية، بينما تلتقيان مع الصين في بناء شبكة اقتصادية آسيوية أكثر استقلالًا عن المركز الغربي .

 

ومن هنا تتشكل معادلة جديدة: إيران تمتلك الموقع الاستراتيجي والطاقة والخبرة في مواجهة العقوبات، وروسيا تمتلك الموارد والثقل الجيوسياسي، والصين تمتلك الصناعة والتكنولوجيا والأسواق، فيما تبحث دول أسيا والجنوب العالمي عن خيارات اقتصادية أكثر تنوعًا وأقل ارتهانًا لمركز واحد .

 

وتفقد العقوبات جزءًا من فاعليتها عندما تتعدد مراكز الإنتاج والطاقة والتمويل والأسواق. فهي تستطيع رفع كلفة التجارة وفرض صعوبات حقيقية، لكنها لا تستطيع بالضرورة منع التجارة من الانتقال إلى مسارات بديلة. وهنا يمكن استحضار أفكار إيمانويل والرشتاين حول النظام العالمي، وجيوفاني أريغي حول دورات صعود القوى وانتقال مركز الثقل الاقتصادي، وفرناند براوديل حول أهمية الجغرافيا والطرق التجارية طويلة المدى، وبول كينيدي في الربط بين القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية واستدامة الهيمنة.

وبالنظر إلى هذه الرؤى، يمكن قراءة الصراع الحالي بوصفه مواجهة بين نموذج يسعى إلى الحفاظ على مركز يمتلك مفاتيح النظام المالي والتجاري، ونموذج صاعد يقوم على تعدد المراكز الاقتصادية والسياسية .

 

وفي قلب هذا التحول تأتي إيران. فهي ليست الصين من حيث الحجم الاقتصادي، ولا روسيا من حيث الموارد، لكنها تمتلك قدرة مهمة على الجمع بين الجغرافيا والطاقة والعلم والصناعة والاستقلال السياسي. وتكمن أهميتها في قدرتها على ربط الخليج بآسيا الوسطى، وآسيا الجنوبية بالأسواق الأخرى، والممرات البحرية بالممرات البرية .

 

ومن هنا فإن الرهان على كسر إيران اقتصاديًا يحمل مخاطرة استراتيجية للولايات المتحدة نفسها. فإذا أغلقت واشنطن بعض الأبواب، فقد تدفع طهران وشركاءها إلى بناء أبواب جديدة. وإذا منعت الشركات الغربية من التعامل مع إيران، فقد تتوسع حصة الشركات والأسواق الآسيوية. وإذا شددت القيود على النظام المالي، فقد تتزايد الحاجة إلى تطوير أنظمة دفع وتسويات بديلة. وإذا استُخدم الدولار بصورة متزايدة كسلاح سياسي، فقد يدفع ذلك دولًا عدة إلى تقليل اعتمادها عليه . وهذه هي المفارقة الكبرى وما يجري اليوم من تحولات في العلاقات التجارية والمالية، وتنامي دور القوى الآسيوية، وتزايد الحديث عن بدائل للدولار، قد لا يكون سوى بوادر أولية لمسار أوسع يعيد تشكيل موازين القوة في الاقتصاد العالمي وعدم ترك مستقبلها الاقتصادي رهينة لقرار سياسي صادر عن مركز واحد.

 

إن قوة إيران الحقيقية لا تكمن في قدرتها على إغلاق مضيق هرمز أو التحكم في أمن باب المندب، وإنما في أن العالم لا يستطيع تجاهل موقعها الجغرافي ودورها في معادلة الطاقة والتجارة. وليست قوتها في امتلاك باب واحد للتجارة، بل في قدرتها على البحث عن أبواب بديلة كلما أُغلق باب.

لقد بنت إيران جانبًا مهمًا من قوتها أثناء الحصار، ولم تعد تنتظر نهاية العقوبات لكي تبدأ بناء اقتصادها. وفي المقابل، أصبحت الصين وروسيا ودول آسيا والجنوب العالمي أكثر قدرة على تنويع علاقاتها ومصالحها. ولذلك فإن محاولة كسر إيران بالعقوبات لا تؤدي إلى إخضاعها، بقدر ما قد تسهم في إعادة تشكيل النظام الذي منح العقوبات أصلًا قوتها .

 

إن العالم يتغير، وربما تكون أخطر نتيجة للحرب الاقتصادية أن القوة التي تستخدم العقوبات للحفاظ على هيمنتها تدفع خصومها إلى بناء نظام يقلل من قدرتها على الهيمنة. وهنا تبدأ نهاية الاحتكار الأمريكي، لا بسقوط أمريكا، وإنما بتعدد الأيدي التي تمسك بمفاتيح الاقتصاد العالمي .

 

وفي قلب هذا التحول تقف إيران، مستندة إلى شعبها وعلمائها وصناعاتها ومواردها وموقعها الجغرافي، ومتجهة نحو فضاء اقتصادي تتقدم فيه الصين وروسيا وحلفائها وتتوسع فيه شبكة الدول في أسيا والجنوب العالمي التي ترى أن مصالحها لا ينبغي أن تكون رهينة لإرادة مركز واحد. ومن يحاول كسر إيران اقتصاديًا قد يكتشف في النهاية أنه لم يكسر إيران، بل ساهم في كسر احتكار النظام الذي كان يمنحه القدرة على فرض العقوبات. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ سورة الأنفال: الآية 30