x

علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: خبرات أبنائنا ببنك بيروت إلى أين؟!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:١٣ ص
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: خبرات أبنائنا ببنك بيروت إلى أين؟!
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني   

دعا بنك بيروت، الذي أنهى أعماله المصرفية في سلطنة عُمان بعد تجربة امتدت لنحو عشرين عامًا، المودعين إلى مراجعة فرعه واستكمال الإجراءات المتعلقة بحساباتهم، وسحب أرصدتهم وودائعهم، وتسوية التزاماتهم، وذلك خلال المهلة المحددة التي تنتهي في الثالث والعشرين من أكتوبر 2026.

وبقدر ما يحزننا أن يغادر أحد البنوك العاملة في القطاع المصرفي بالسلطنة بعد كل هذه السنوات، فإن ما يحزننا أكثر هو الأثر الإنساني والوظيفي المترتب على هذا القرار، ولا سيما مستقبل أكثر من ستين مواطنًا عملوا في البنك طوال السنوات الماضية، واكتسبوا خبرات متراكمة يُعتد بها في إدارة الأعمال المصرفية، والائتمان، والتمويل، والمحاسبة، والتدقيق، والامتثال، وخدمة العملاء، وغيرها من التخصصات.

فهؤلاء الموظفون كفاءات وطنية متخصصة استثمرت سنوات من عمرها في القطاع المصرفي، واكتسبت خبرات عملية لا يمكن تعويضها بسهولة. وعليه، فإننا نتطلع بكل أمل إلى البنك المركزي العُماني، بما له من مكانة تنظيمية وقدرة على جمع المؤسسات المصرفية والمالية، لقيادة مبادرة مشتركة، بالتنسيق مع وزارة العمل وجمعية المصارف العُمانية، تهدف إلى تيسير انتقال هؤلاء الموظفين إلى فرص وظيفية تتناسب مع خبراتهم ومؤهلاتهم في هذا المجال المهم.

ونحن هنا لا نطالب البنك المركزي بفرض هؤلاء الموظفين على البنوك أو شركات التمويل والصرافة، ولا نطالب بتوظيف جماعي بعيد عن احتياجات المؤسسات، وإنما نطالب بفتح مسار منظم وعادل أمامهم، يبدأ بحصر خبراتهم وتخصصاتهم، وينتهي بإتاحة مقابلات وظيفية حقيقية لدى المؤسسات المصرفية والمالية المرخصة التي قد تجد في هذه الكفاءات ما يفيدها.

كما يمكن منح هؤلاء الموظفين أولوية في المقابلات عند وجود وظائف شاغرة، وربط خبراتهم بخطط الإحلال والتعمين في القطاع المصرفي، خصوصًا في وظائف الإدارة الوسطى، والائتمان، والامتثال، والتدقيق، والمخاطر، والخزينة، وتقنية المعلومات، والصيرفة الرقمية، وخدمة العملاء.

إن هؤلاء الموظفين ينتظرون فرصة عادلة تحفظ خبراتهم، وتقدر سنوات عملهم، وتضعهم أمام المؤسسات التي قد تكون في حاجة فعلية إلى قدراتهم. كما أن استيعابهم يمثل قيمة مضافة للمؤسسات الجديدة؛ لأنهم لا يحتاجون إلى سنوات طويلة من التدريب والتأهيل، بل يستطيعون الاندماج سريعًا في بيئة العمل المصرفي التي خبروها وعملوا فيها لسنوات.

إن مغادرة أي مصرف للسوق تعد أمرًا مؤسفًا في سوق مفتوحة للمنافسة ومعروفة بالانضباط والاستقرار المصرفي، لكن لا ينبغي تفسير ذلك على أنه مؤشر سلبي على القطاع المصرفي ككل؛ فهناك بنوك ومصارف تنمو وتتوسع وتحقق أرباحًا مرتفعة، في حين تتراجع مؤسسات أخرى أو تعيد هيكلة أعمالها وترتيب وجودها نتيجة عوامل تتعلق بنموذج أعمالها، وإدارتها، وقدرتها على المنافسة، والتحول الرقمي، والوصول إلى العملاء.

وفي مطلق الأحوال، تظل تجربة بنك بيروت جديرة بالدراسة من حيث نموذج العمل، والانتشار، والحصة السوقية، والتحول الرقمي، والتسويق، وبناء العلامة التجارية، ومدى الاندماج مع المجتمع والسوق المحلي. ففي خضم المنافسة المتسارعة، لم يعد كافيًا أن تمتلك المؤسسة خبرة طويلة أو اسمًا مصرفيًا معروفًا؛ بل أصبح النجاح يتطلب حضورًا حقيقيًا وفاعلًا في السوق، وفهمًا متجددًا لاحتياجات العملاء ورغباتهم، واستثمارًا مستمرًا في التقنية والتسويق والاتصال، وقدرة على تطوير المنتجات والخدمات بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

نأمل أن يتم توظيف أكبر عدد ممكن من هؤلاء الكفاءات قبل أن ينتهي بنك بيروت من لملمة أطرافه وجمع أوراقه ومغادرة البلاد، منهيًا تجربة مصرفية امتدت لنحو عقدين من الزمان. فإذا كان خروج البنك قرارًا تجاريًا بحتًا، فإن الحفاظ على خبرات أبنائنا وعدم إهدار سنوات خبرتهم وتحويلها إلى قيمة مضافة في مؤسسات أخرى، يجب أن يكون أولوية وطنية ومهنية مشتركة.