
بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي
عندما فشل ترامب ونتنياهو في فرض شروطهما على إيران عبر الحرب، لجأوا إلى الخطة B. خطة سماها ترامب "D-Day اقتصادي". مصطلح عسكري معناه "يوم الإنزال" أو "يوم الحسم"، وهو مصطلح أشتهر استخدامه في نورمندي عام 1944. والآن، يريد ترامب "يوم حسم" حصارًا اقتصاديًا عالمياً على إيران، يريد من جميع الدول فرض حظر كامل على إيران. لكن التاريخ يسخر من هذا الوهم.
العراق 1990، 13 سنة حصار، النتيجة؟ النظام لم يسقط، والشعب هو من دفع الثمن، وأمريكا خسرت سمعتها.
كوبا 1962، 66 سنة حصار، والنتيجة؟ كوبا ما زالت واقفة، وأمريكا صارت مضحكة في الأمم المتحدة كل سنة.
روسيا 2022، عقوبات "جهنمية"، النتيجة؟ الروبل صار أقوى، وروسيا باعت نفطها بالروبل واليوان، والاتحاد الأوروبي هو من برد في الشتاء.
واليوم إيران تحت حصار اقتصادي أمريكي منذ 1979، فهل استسلمت؟ من المؤكد أنها تضررت منه، لكنها واصلت تطورها تحت الحصار الجائر. بنت صناعتها العسكرية، وأطلقت أقمارها، وشغلت مفاعلاتها، ومددت أنابيبها، وصدرت علمها للمنطقة. الحصار صنع منها دولة لا تخاف من العقوبات لأنها تعلمت كيف تواجه الصعوبات. فالحصار لا يكسر الدول المنظمة، الحصار يخلق بدائل.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يتحدث عنها أحد، العقوبات الأمريكية لم تعد أداة ضغط، بل أصبحت فخاً للخصوم. فكل دولة تخضع للحصار تخرج منه وهي أقوى وأكثر عدائية ومنافساً أكبر لواشنطن.
إيران طورت صواريخها لأنها مُنعت من شراء السلاح. وروسيا بنت منظومة "مير" للدفع لأنها استُبعدت من سويفت. والصين طورت رقائقها الإلكترونية لأنها مُنعت من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية. باختصار، تحاصر أمريكا خصومها، فتـنشئهم بأيديها. وحصار اليوم ما هو إلا شهادة تخرج من الهيمنة الأمريكية.
والآن لم تعد إيران وحيدة. فهي عضو في مجموعة البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ولديها سوق يضم ثلاثة مليارات نسمة يستخدمون عملات أخرى غير الدولار. عندما تمنع إيران من بيع النفط بالدولار، تجبر الدول لشرائه بالروبل واليوان، وعندها تتلاشى هيمنة الدولار.
والأخطر من ذلك، أن أوروبا نفسها لم تعد تلتزم. هل تتذكرون "آلية انستكس"؟ أنشأتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عام 2019 للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران؟ فشلت الآلية بسبب مخافتهم. لكن الفكرة ظلت قائمة. اليوم، تشتري الهند النفط الروسي بأسعار مخفضة، وتفتح تركيا أبوابها للمقايضة. بعض دول الخليج تبيع نفطها باليوان الصيني. حتى حلفاء أمريكا استوعبوا الدرس وبدأوا بالتخلي عن هيمنة الدولار. من يفرض حصارًا سيخسر شعبه وخزانته قبل إيران. فمن إذن مستعد للتضحية باستقراره الاقتصادي من أجل "يوم الحسم" الوهمي الذي ينويه ترامب؟
السؤال الذي يرعب واشنطن، هل الهند مستعدة للتخلي عن النفط الإيراني الرخيص من أجل ترامب؟ هل اليابان وكوريا الجنوبية مستعدتان لدفع 250 دولارًا للبرميل عشان "يوم الحسم" الأمريكي؟ هل العالم بأسره مستعد للانتحار الاقتصادي لإرضاء رجل واحد؟
ترامب يريد D-Day، لكن إيران علمت العالم درس آخر اسمه "يوم الصمود"، ومن يملك بديلاً عن الدولار، لا يخاف من يوم الحسم.
وفي النهاية، تظل اللعبة النفسية هي الفاصلة في استراتيجية "يوم الحسم" الأمريكية، فالإدارة الأمريكية تراهن دائماً على النفس القصير للأنظمة وتذمر الشعوب، لكنها تصطدم في حالة إيران بتجربة متراكمة طولها عقود من "اقتصاد المقاوم" والتكيف الهيكلي. إن الشعوب التي اعتادت التحدي وتجاوزت مرحلة الصدمة الأولى للعقود لا يمكن إسقاطها بقرارات صادرة من البيت الأبيض. وإذا كان ترامب يبحث عن نصر إعلامي خاطف يرمم به هيبة الردع، فإن الواقع يقدم له حقيقة مجردة، "يوم الحسم" لا يمكن فرضه على من جعل من الصمود نمط حياة، ومن التكليف سياقاً يومياً.