محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: مضيق هرمز.. اقتصادات تخسر وأمريكا تكسب.. كيف؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/أغسطس/٢٠٢٦ ١١:١٥ ص
محمد محمود عثمان يكتب للشبيبة: مضيق هرمز.. اقتصادات تخسر وأمريكا تكسب.. كيف؟
محمد محمود عثمان

بقلم : محمد محمود عثمان 

تتفاوت التأثيرات الاقتصادية لمضيق هرمز بين مكاسب للبعض وخسائر لآخرين؛ إذ يُشكّل الضغط على المضيق عبئاً كبيراً على اقتصادات دول الخليج وإيران وآسيا وأوروبا، في حين يُتيح للولايات المتحدة مكاسب اقتصادية واستراتيجية.

فالمكاسب الأمريكية لا تنبع بالضرورة من «إغلاق المضيق» بذاته، بل من النتائج والتبعات التي يولدها الاضطراب فيه.

وهنا تبدو الولايات المتحدة المستفيد الأول؛ ليس لأنها ترغب في إغلاق هرمز، بل لأن حالة الاضطراب تمنحها فرصة لتوسيع دورها في سوق الطاقة وأمن الممرات الدولية معاً. كما يُفتح المجال لإعادة توزيع النفوذ؛ فالدول التي تستطيع توفير الطاقة والحماية معاً ستكون صاحبة التأثير الأقوى في القرار الدولي وعند إعادة رسم خريطة المنطقة أو «الشرق الأوسط الجديد».

وقد واكب ذلك تكرار تصريحات الرئيس ترامب - مازحاً أو جاداً - بأن «مضيق هرمز أرضٌ أمريكية». وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للممر الذي يُعد نقطة عبور رئيسية لصادرات الطاقة العالمية، وذلك في إطار المصالح الأمريكية غير المعلنة، أو المعلنة على مرأى ومسمع من إيران والدول العربية والخليجية صاحبة الحق في المضيق والخليج المرتبط به.

ويأتي هذا التصعيد الأمريكي في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية، من بينها سلطنة عُمان، إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران لاستئناف الحوار والمفاوضات، في محاولة للتوصل إلى ترتيبات تُتيح استئناف الملاحة بصورة أكثر انتظاماً، وتخفيف حدة التوتر حول المضيق الذي يتصاعد تارة وينخفض تارة أخرى.

تستثمر أمريكا هذا الوضع لجني الثمار الاقتصادية؛ فعندما تتوقف أو تتعطل صادرات الخليج، يبحث المستوردون الآسيويون والأوروبيون عن مصادر بديلة، وهنا تبرز الولايات المتحدة باعتبارها من أكبر منتجي ومصدري الطاقة في العالم. وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن نمو إنتاج الغاز المسال من أمريكا الشمالية ومناطق أخرى عوَّض جزءاً كبيراً من تراجع إمدادات الخليج؛ أي أن الأزمة تحوّل جزءاً من سوق الطاقة الذي كان يمر عبر الخليج لخدمة الاقتصاد الأمريكي.

وعند ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقارب 90–95 دولاراً للبرميل، تزيد تكلفة الطاقة على المستهلكين، لكنها ترفع في الوقت نفسه إيرادات شركات النفط والغاز الأمريكية. وهنا تتضح المفارقة: دول الخليج تبيع نفطاً أقل بسبب صعوبات التصدير، بينما يبيع المنتج الأمريكي طاقة بأسعار أعلى في سوق يبحث عن البديل المتاح. ومع أن الولايات المتحدة تُعد مستورداً لبعض أنواع النفط وارتفاع أسعار الطاقة يرفع التكاليف على اقتصادها، إلا أن مكاسبها الاستراتيجية تفوق الخسائر الجزئية للاقتصاد الكلي.

وبذلك تحصل واشنطن على ورقة ضغط قوية على أوروبا وآسيا، رافعة شعار «من يملك الطاقة يملك القرار». إذ أصبح أمن الطاقة الآسيوي والأوروبي أكثر ارتباطاً بالإمدادات الأمريكية، ولم تعد واشنطن مجرد منتج للطاقة فحسب، بل أصبحت طرفاً أعمق تأثيراً في أمن الطاقة العالمي.

وتتشابك أطراف المعادلة عندما يحتاج الخليج إلى حماية الممرات، وتحتاج آسيا إلى الطاقة، وتبحث أوروبا عن البدائل؛ فتأتي أمريكا لتوفّر البدائل والحماية معاً، ليتحول مضيق هرمز من ممر بحري إلى معبر لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة.

تشير التقارير الاقتصادية إلى أن شركات الدفاع والطاقة والمؤسسات المالية (خاصة الأمريكية) كانت من أبرز المستفيدين من اضطراب الأسواق المرتبط بالأزمات. فواشنطن لا تبيع النفط والغاز فحسب، بل تبيع الأمن الذي أضحت شحنات النفط والغاز بكتلتها بأشد الحاجة إليه. وإذا أصبح المرور عبر هرمز محفوفاً بالمخاطر، تصبح الدول الخليجية أمام معادلة صعبة: إما دفع تكلفة باهظة لبناء منظومة أمن إقليمية مستقلة، أو الاعتماد بشكل أكبر على المظلة الأمريكية. وارتفاع كلفة المنظومة المستقلة يجعل «الحماية الأمريكية» الخيار الأكثر جاذبية.

وكلما أثبتت الأزمة أن المنطقة لا تستطيع تأمين ممراتها بمفردها، ارتفعت قيمة الوجود العسكري الأمريكي الذي يمثل الطرف الذي لا غنى عنه لتأمين خطوط الإمداد. ورغم وجود خسائر اقتصادية لأمريكا جراء التضخم وارتفاع تكاليف النقل والوقود، إلا أنها قد تفضل حالة الاضطراب المتقطع بدلاً من الإغلاق التام الذي يضر بمصالحها الحيوية.

لهذا، فإن المصلحة الأمريكية المُثلى تكمل في «مضيق مضطرب قابل للإدارة والسيطرة» وليس «مغلقاً بالكامل»؛ لأن الفتح الكامل للهرمز يقلل الحاجة إلى النفط والغاز الأمريكي البديل ويُخفض قيمة المظلة الأمنية، والإغلاق الكامل يهدد الاقتصاد العالمي ويضر بواشنطن ذاتها. أما الاضطراب المنسق مع بقاء مسارات محدودة فيخلق وضعاً تستفيد منه واشنطن في مجالات الطاقة والسلاح والنفوذ دون وصول الأزمة إلى انهيار اقتصادي عالمي.

كما أن التهديد المستمر للملاحة يدفع دول المنطقة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي على أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، الطائرات، السفن الحربية، منظومات المراقبة البحرية، والطائرات المسيرة وسُبل مكافحتها، فضلاً عن حماية المنشآت النفطية والموانئ.

ختاماً، أصبح الخاسر الأكبر ليس من يملك النفط، بل من يملكه ولا يملك أمن الطريق لتصديره؛ بينما الرابح الأكبر هو من يستطيع فرض السيطرة وبيع البديل والحماية في الوقت ذاته. وعندما تتيقن الأسواق من أن الأوضاع لن تعود سريعاً إلى طبيعتها، يتجه المستثمرون والدول للبحث عن مسارات بديلة ودائمة؛ حيث برزت بالفعل مشاريع خطوط أنابيب جديدة لتقليل الاعتماد على المضيق. وبذلك لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تتباطأ فيه الناقلات، بل أضحى أحد أهم مفاتيح إعادة توزيع التكاليف والعوائد والنفوذ في الاقتصاد العالمي.