x

محمد بن عيسى الزدجالي يكتب للشبيبة: معاقبة الأبرياء: لماذا تضر العقوبات الجماعية بقطاع الأعمال في سلطنة عمان؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:٣٦ ص
محمد بن عيسى الزدجالي يكتب للشبيبة: معاقبة الأبرياء: لماذا تضر العقوبات الجماعية بقطاع الأعمال في سلطنة عمان؟
محمد بن عيسى الزدجالي

بقلم : محمد بن عيسى الزدجالي

تخيل مدرسة تضم أربعة أطفال من عائلة واحدة، يلتحق كل منهم بصف دراسي مختلف. ثلاثة من هؤلاء الإخوة من الطلبة المتفوقين؛ يحصلون على أعلى الدرجات، ويلتزمون التزامًا تامًا بقواعد السلوك، ويحققون نتائج نموذجية.

أما الأخ الرابع، فيواجه صعوبات أكاديمية في صفه. وبدلاً من أن تقوم إدارة المدرسة بتوجيه الطالب المتعثر أو معالجة مشكلته بشكل مباشر، تتخذ قرارًا جائرًا: معاقبة الإخوة الأربعة جميعًا. فتقوم بتجميد امتيازاتهم، وحجب وثائقهم، ووضع الطلبة الثلاثة المتفوقين تحت الملاحظة، استنادًا إلى فرضية خاطئة مفادها أن الضغط الجماعي على العائلة سيرغم الأخ المتعثر بطريقة ما على التحول إلى طالب متميز بين عشية وضحاها.

إن نتيجة هذه الاستراتيجية معروفة ومحسومة؛ فهي لن تعالج الصعوبات الأكاديمية للأخ المتعثر، بل ستؤدي إلى إحباط الإخوة الثلاثة الأبرياء وإجهادهم وتشكيل خطر حقيقي على مستقبلهم الدراسي رغم أنهم أداوا كل ما عليهم على أكمل وجه.

هذا المنطق المدرسي يعكس حالة من الاستياء المتزايد في مجتمع الأعمال العماني. فبموجب آليات الإنفاذ الحالية المتبعة لدى وزارة العمل، عندما يمتلك مستثمر منفرد أو شريك حصصًا أو أدوارًا تنفيذية— ككونه مفوضًا بالتوقيع أو عضوًا في مجلس الإدارة—في عدة سجلات تجارية مستقلة، وتواجه إحدى هذه المنشآت صعوبات في تحقيق نسبة التعمين المطلوبة، تُطبق الحظر والإجراءات الإدارية على جميع الشركات المرتبطة بالم الرقم المدني لذلك المستثمر، حتى وإن كان مجرد شريك لا يملك سلطة القرار المطلق في المنشأة المتعثرة.

تجاهل الاستقلالية القانونية للمنشآت

وما يجعل هذه الممارسة أشد ضررًا هو أن القانون التجاري العماني ينص صراحة على أن كل سجل تجاري يُعد كيانًا مستقلاً بذاته. فالشركة المسجلة بموجب القوانين العمانية تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، والذمة المالية المستقلة، والالتزامات التشغيلية الخاصة بها. وبالتالي، فإن فرض حظر شامل على جميع الشركات المرتبطة بفرادي يمتلكون صلاحيات إدارية أو حصص شراكة يُعد تجاهلًا صريحًا لهذه الاستقلالية التي نص عليها القانون، ويقوض الحمايات القانونية التي وُضعت أساسًا لعزل المخاطر التجارية بين الكيانات المختلفة.

العقاب بالتبعية الاستثمارية

عندما تطبق الجهات التنظيمية التجميد التشغيلي على مستوى المجموعة بناءً على تداخل الشركاء أو الإدارة، تقع العقوبة بوطأتها الأشد على الكيانات الناجحة والملتزمة كليًا:

● أضرار جانبية غير جائرة: الشركات الشقيقة التي تعمل في قطاعات مختلفة تمامًا—والتي تحافظ على نسب تعمين مرتفعة وسجلات توظيف مستقرة وتلتزم بكافة الأنظمة—تجد نفسها فجأة ممنوعة من إصدار تصاريح العمل، أو تجديد الإقامات، أو إنجاز المعاملات الحكومية الروتينية.

● تهديد الوظائف القائمة للمواطنين: إن عجز الشركة الناجحة عن إنجاز معاملاتها التشغيلية الأساسية يتسبب في خسائر مالية متراكمة، مما يهدد الاستقرار الوظيفي للمواطنين العمانيين العاملين فيها بالفعل.

● إجبار المستثمرين على التخلي عن صلاحياتهم: بدلاً من تحفيز الامتثال في المنشأة المتعثرة، تدفع هذه السياسة المستثمرين إلى التخلي عن أدوارهم وصلاحياتهم القانونية. ولهربًا من تضرر شركاتهم الناجحة، يضطر الشركاء إلى الاستقالة من الإدارة، أو التنازل عن تفويض التوقيع، أو بيع حصصهم في الشركات المتعثرة؛ مما يترك المنشأة المتعثرة بلا قيادة استثمارية أو خبرة إدارية، ويجعلها أقل قدرة على تصحيح أوضاعها مستقبلاً.

ربط خلق الفرص الوظيفية بالاستراتيجية الاقتصادية الكلية

إن تنمية القوى العاملة الوطنية وتحقيق أهداف رؤية عمان 2040 هي غايات وطنية أساسية، إلا أن خلق فرص العمل المستدامة لا يمكن أن يعتمد حصريًا على الآليات العقابية لجهات تنظيم سوق العمل. فخلق الوظائف هو نتيجة اقتصادية طبيعية تنبع من نمو الأعمال، والتوسع الصناعي، وازدهار النشاط التجاري.

إن المسؤولية الرئيسية عن توجيه استراتيجيات خلق الفرص الوظيفية الحقيقية تقع على عاتق وزارة الاقتصاد ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار. فعندما تقود السياسات الاقتصادية والحوافز التجارية جهود التنمية، تتدفق الفرص الوظيفية المستدامة بشكل طبيعي. ويجب أن يدعم الإنفاذ التنظيمي هذا المنظومة من خلال احترام الاستقلالية القانونية للكيانات، ومحاسبة المنشآت غير الملتزمة بشكل فردي، وترك الكيانات الناجحة وقياداتها تواصل مساهمتها في بناء المستقبل الاقتصادي لسلطنة عمان.