
بقلم: سالم الحبسي
اللاعب العُماني لا يحتاج إلى معسكر جديد..بل إلى يومٍ يستعيد فيه جسده..!!
من السيب والنهضة إلى المنتخب والمنتخب العسكري: حين تتحول كرة القدم من موسمٍ طويل إلى سنةٍ بلا صيف
هناك سؤال يجب أن يسبق أي حديث فني عن استعداد منتخب عُمان لـ«خليجي 27» في جدة: كم يوماً حصل اللاعب الدولي الأساسي على راحة حقيقية خلال عامه الكروي؟ ليس يوماً بلا مباراة فقط، بل فترة يتوقف فيها التدريب والمنافسة والسفر والالتزام بمعسكرات الأندية والمنتخبات.
الإنذار ليس عُمانياً فقط. تقرير FIFPRO Player Workload Monitoring 2024، الذي درس أحمال 1500 لاعب، وجد أن 54% منهم واجهوا أحمالاً مرتفعة أو مفرطة، وأن 17% ظهروا في أكثر من 55 مباراة، بينما مرّ 30% منهم بفترات امتدت ستة أسابيع أو أكثر بمباراتين على الأقل أسبوعياً. والأخطر أن بعض اللاعبين لم تتجاوز إجازتهم 12% من أيام السنة؛ أي أقل من يوم راحة كامل أسبوعياً في المتوسط خلال الفترات المحسوبة. (fifpro.org)
الأرقام الأوروبية تكشف حجم المشكلة. جوليان ألفاريز خاض 75 مباراة مع النادي والمنتخب في موسم 2023/24، وفيل فودين 72 مباراة، بينما ظهر رودري في 63 مباراة فعلية، بإجمالي 6107 دقائق، وكان ضمن قوائم المباريات في 72 مناسبة. (fifpro.org) هذه ليست نماذج للبطولة فحسب؛ إنها نماذج لما يحدث عندما يصبح اللاعب الأساسي هو «العمود الفقري» لكل مسابقة.
فسيولوجياً، الجسد لا يفاوض. الدراسات تشير إلى أن مباراة كرة القدم تترك آثاراً عصبية وعضلية قد تستمر حتى 72 ساعة؛ وقد وجدت مراجعة علمية حديثة أن بعض مؤشرات القوة والانفجار العضلي لا تكون قد عادت بالكامل حتى بعد ثلاثة أيام. كما أظهرت دراسة متخصصة أن عوامل مرتبطة بخطر إصابات العضلة الخلفية للفخذ لم تكن قد تعافت تماماً عند اليوم الثالث. (PubMed)
وهنا تصبح عبارة «يلعب كل ثلاثة أيام» أكثر خطورة مما تبدو. ففي دوري مزدحم، لا يدخل اللاعب المباراة التالية بالضرورة من نقطة الصفر؛ يدخلها وهو يحمل بقايا إجهاد المباراة السابقة. وفي دراسة على لاعبي دوري فرنسي محترف، ارتبط ارتفاع الإحساس بالتعب والآلام العضلية خلال فترات ازدحام المباريات بزيادة خطر الإصابات غير الاحتكاكية، بينما ارتبط النوم الأفضل خلال الليلتين التاليتين بانخفاض الخطر. (PubMed)
أما ما يسمى جماهيرياً «التشبع الكروي»، فالأدق علمياً هو الحديث عن الإجهاد البدني والعصبي والذهني، وتراجع الجاهزية، واحتمال الاحتراق النفسي. اللاعب قد يظل قادراً على الركض، لكنه يفقد جزءاً من حدته: القرار يتأخر، التسارع يقل، التركيز يتذبذب، والاستجابة للضغط تصبح أبطأ. ولهذا يقول خبير الأداء الدكتور دارين بيرجس إن تضخم الروزنامة أصبح يهدد الصحة والأداء العالي معاً. (fifpro.org)
وفي الحالة العُمانية، تتضاعف المشكلة عندما ينتقل اللاعب نفسه بين دوري جندال، كأس جلالة السلطان، البطولة الآسيوية أو الخليجية، معسكر النادي، المنتخب الوطني، الدوري والبطولات العسكرية، ثم المنتخب العسكري. والسيب والنهضة مثالان واضحان على ازدحام المنافسات؛ فقد التقى الفريقان في نصف نهائي كأس جلالة السلطان في يناير 2026، فيما كانا يخوضان منافسات الدوري والبطولات الخارجية. (Oman News)
ثم تأتي اللحظة التي يفترض فيها أن يكون اللاعب قد استعاد أنفاسه، فإذا به يدخل دورة إعداد جديدة للمنتخب. وخليجي 27 ليس بعيداً زمنياً؛ البطولة مقررة في جدة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، والمنتخب العُماني في المجموعة الأولى مع السعودية والعراق والكويت. (Saff)
إذن: متى يرتاح؟ الجواب المهني ليس «بعد انتهاء البطولة»، بل يجب أن تكون الراحة جزءاً مصمماً مسبقاً من الروزنامة. لا تستطيع جلسة استشفاء أو حمام ثلج أن تعوض غياب الإجازة؛ فالمراجعات العلمية تؤكد أن وسائل الاستشفاء تساعد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الوقت والنوم والتغذية وإدارة الحمل. (PubMed)
المسؤولية هنا ليست على مدرب المنتخب وحده ولا على النادي وحده. إنها مسؤولية منظومة الروزنامة بأكملها: الاتحاد المحلي، مسابقات الأندية، الجهات العسكرية، الاتحادات القارية والخليجية والدولية، وكل جهة تضيف بطولة من دون أن تحسب كلفتها على اللاعب نفسه.
والنتيجة الأهم: اللاعب الذي لا يحصل على الراحة لا يصبح بالضرورة أكثر جاهزية لأنه لعب أكثر؛ قد يصبح أقل قدرة على تقديم أفضل نسخة منه. وإذا أراد المنتخب العُماني أفضل أداء في جدة، فالسؤال الحقيقي قبل الخطط والتكتيك ليس: كيف نرفع الحمل؟ بل: كم حملنا هذا اللاعب أصلاً، وكم يوماً أعطيناه ليستعيد نفسه؟
إن لم تُجب الروزنامة عن هذا السؤال، فإن مطالبة اللاعب بأفضل نسخة منه تصبح، علمياً، مطالبةً بالجسد فوق طاقته.
*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي